ليس التاريخ محكمة تقضي بصحة عقيدة أو بطلانها بمجرد قدمها أو حداثتها. قد تكون صياغة لاهوتية حديثة نسبياً ومع ذلك تصيب معنى الكتاب، وقد تكون فكرة قديمة وتحتاج مع ذلك إلى التصحيح. لكن التاريخ يؤدي وظيفة أكثر تواضعاً وأهمية: يبيّن متى اجتمعت عناصر النظام، وكيف انتشرت، ولماذا راجع أصحابها بعض افتراضاتها. لذلك سيختبر هذا الفصل من الدراسة ادعاءين متقابلين: أن التدبيرية ليست إلا قراءة الكنيسة القديمة للكتاب، وأنها من الجهة الأخرى اختراع مفاجئ لداربي لا جذور له.[١]
١. هل بدأت التدبيرية قبل داربي؟
لم يكن جون نلسون داربي أول مسيحي يقسم التاريخ إلى مراحل، ولا أول من توقع ملكاً ألفياً مستقبلياً، ولا أول من انتظر اهتداءً واسعاً لليهود. وقد ميّز بعض آباء الكنيسة بين مراحل مختلفة في تاريخ الإعلان الإلهي، كما وُجدت عبر التاريخ قراءات متعددة للألفية ولمستقبل إسرائيل. ويجمع كيري تراهان، اعتماداً على رايري وغيره، أمثلة لتقسيم التاريخ عند يوستينوس وإيريناوس وإكليمنضس الإسكندري، ثم عند بيير بواريه وإسحاق واتس قبل داربي. وهذه الشواهد مهمة، لأنها تمنع القول إن فكرة المراحل نفسها بدأت في القرن التاسع عشر.[٢]
لكن وجود تقسيمات تاريخية لا يثبت وجود التدبيرية بمعناها الحديث. فالنظام لا يتميز بمجرد الاعتراف بأن الله عامل البشر بصور مختلفة عبر العصور، بل بجمع هذه المراحل مع تمييز إسرائيل عن الكنيسة، ومنهج معين لإتمام النبوة، وتسلسل محدد للاختطاف والضيقة والملكوت. لهذا نستطيع أن نتحدث عن جذور وسوابق، من غير أن نسمي كل من قام بتقسيم التاريخ أو آمن بالألفية تدبيرياً.
٢. لماذا كان القرن التاسع عشر مهيأً لظهورها؟
شهد القرن التاسع عشر تجدداً واسعاً للاهتمام بالنبوة ورجوع المسيح، ولم يكن هذا الاهتمام كله تدبيرياً. ففي بريطانيا وأمريكا انتشرت محاولات ربط النبوات بالحروب والثورات والكوارث، وانزلق بعض المعلمين إلى تحديد تواريخ للنهاية. وقد أضر فشل هذه التوقعات بمصداقية الاهتمام بالأخرويات عند كثيرين. وفي هذا المناخ قدمت التدبيرية قراءة مستقبلية تضع كثيراً من نبوات دانيال والرؤيا في المستقبل، بدلاً من تعيين الحروب والحكام المعاصرين بوصفهم إتماماً مباشراً للرموز. وقد منحها هذا قوة تفسيرية وجاذبية في بيئة كانت تتطلع إلى خريطة واضحة للأزمنة.[١]
٣. كيف صاغ داربي عناصر التدبيرية في نظام واحد؟
كان داربي كاهناً في كنيسة إيرلندا، ثم انفصل عن إطارها المؤسسي وارتبط بالحركة التي عُرفت لاحقاً باسم الإخوة البليموثيين. وترجع موسوعة شاف-هيرتسوغ بدايات الحركة في إيرلندا إلى نحو سنة ١٨٢٨، وتشير إلى اجتماعات قراءة الكتاب وكسر الخبز، وإلى الاهتمام بمجيء الرب وعمل الروح القدس.[٣]
لم تنشأ التدبيرية عند داربي من قائمة التدابير وحدها، بل من رؤيته للكنيسة. فقد شدد على أن الكنيسة جماعة روحية متميزة، وفصل بين دعوتها السماوية وبين وعود إسرائيل الأرضية. ومن هذا التمييز ترابطت فكرة الكنيسة بوصفها سراً متميزاً، والاختطاف قبل الضيقة، واستئناف البرنامج النبوي لإسرائيل، والملك الألفي الأرضي. هذا التركيب، لا كل عنصر من عناصره منفرداً، هو ما جعل داربي الشخصية التأسيسية للنظام الحديث.[٤] وينبغي ألا يتحول هذا الوصف التاريخي إلى اتهام شخصي؛ فقد كان داربي يرى نفسه يسترد تعليماً رسولياً، وخدم في الكرازة والتعليم والترجمة. موضع الفحص ليس نواياه، بل مدى موافقة التركيب الذي قدمه لبنية الإعلان الكتابي.
٤. كيف انتقلت من حركة الإخوة إلى العالم الإنجيلي؟
انتقلت أفكار الإخوة من بريطانيا إلى أمريكا الشمالية بواسطة رحلات داربي وكتابات قادة الحركة. ولم يكن على من تأثروا بهذه الأفكار أن ينضموا رسمياً إلى الإخوة؛ فقد انتشرت بين وعاظ ومعلمين من المشيخيين والمعمدانيين وغيرهم، وبدأت مؤتمرات نياغرا السنوية لدراسة النبوة سنة ١٨٧٦، واستمرت نحو ربع قرن.[٥]
ثم جاء سكوفيلد، ولم يكن إسهامه مجرد تأليف كتاب لاهوتي آخر؛ فقد وضع ملاحظاته في كتاب مقدس دراسي صدر سنة ١٩٠٩، فصار القارئ يرى النص الكتابي والتفسير التدبيري في الصفحة نفسها. وبذلك ساعد كتاب سكوفيلد على ترسيخ صيغة محددة من بين مخططات تدبيرية متعددة، وجعلها الصيغة الشعبية الأوسع انتشاراً وتأثيراً. وتوسع الانتشار بعد ذلك من خلال حركة معاهد الكتاب المقدس، وكلية دالاس اللاهوتية التي أسسها لويس سبيري تشيفر سنة ١٩٢٤، ومجلة Sacra Bibliotheca، وكتب النبوات الشعبية. لذلك لم تنتشر التدبيرية كعقيدة لطائفة واحدة، بل كتيار عابر للطوائف داخل الإنجيلية.[٥]
٥. ماذا ميّز التدبيرية الكلاسيكية؟
ترتبط المرحلة الكلاسيكية بداربي وسكوفيلد وتشيفر، مع وجود فروق حقيقية بينهم. وفي بعض صيغها قدمت برنامج الله في التاريخ في مسارين: مقصد أرضي لإسرائيل، ومقصد سماوي للكنيسة. وهذا لا يعني أنها علمت بطريقين للخلاص؛ فأبرز ممثليها أكدوا أن الخلاص في كل عصر هو بنعمة الله وعلى أساس عمل المسيح. لكنها رأت أن عصر الكنيسة مرحلة تقع بين توقف البرنامج النبوي الخاص بإسرائيل واستئنافه في المستقبل؛ وهو ما عبّر عنه بعض التدبيريين بلفظ “الفاصل” أو “القوس الاعتراضي”.[٦]
ورتبت هذه الصيغة قراءة الكتاب والملكوت على هذا التمييز، ففرّق بعض الكلاسيكيين بين “ملكوت الله” و”ملكوت السماوات”، وجعلوا جزءاً من تعليم المسيح متعلقاً أساساً بملكوت إسرائيل العتيد. وازدهرت الخرائط والجداول التي تقسم التاريخ وترتب أحداث النهاية. وقد ساعد وضوحها على انتشار النظام، لكنه أعطى أحياناً انطباعاً بأن المدارس التدبيرية أكثر اتفاقاً في تفاصيلها مما كانت عليه في الواقع.
٦. كيف راجعت التدبيرية المعدلة الصيغة الكلاسيكية؟
في خمسينيات القرن العشرين وستينياته برزت صيغة معدلة أو مراجعة، وارتبطت بأسماء مثل جون ف. والفورد، وجون دوايت بنتكوست، وتشارلز سي. رايري. ومن معالم هذه المرحلة صدور Dispensationalism Today لرايري سنة ١٩٦٥، ثم كتاب سكوفيلد الدراسي المنقح سنة ١٩٦٧.[٧]
وتراجعت هذه الصيغة عن بعض أوجه الفصل الحاد بين إسرائيل والكنيسة. فلم تعد تصورهما شعبين لهما مصيران أبديان منفصلان، بل أبقت على تمييزهما في التاريخ مع تأكيد وحدة أكبر في الحالة الأبدية. وشدد أصحابها على أن الخلاص في كل العصور هو بالنعمة وبالإيمان، مع اختلاف مقدار الإعلان المتاح للإنسان. وبحث رايري عن الخصائص التي لا تبقى التدبيرية تدبيرية من دونها، فصاغ ثلاثيته المعروفة: التمييز بين إسرائيل والكنيسة، والتفسير الحرفي أو الاعتيادي، ومجد الله بوصفه الغاية الكبرى. وبهذا نقل النقاش من الالتزام بكل تفصيل موروث إلى تعريف جوهر النظام. ومع ذلك بقي التمييز بين إسرائيل والكنيسة، والإتمام القومي المستقبلي لوعود إسرائيل، في مركز البناء.
٧. ماذا غيّرت التدبيرية التقدمية؟
خلال سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته أدت الدراسات الكتابية والتفسيرية إلى مراجعات جديدة داخل المدرسة. وبلغت هذه المراجعات مرحلة حاسمة عند تأسيس مجموعة لدراسة التدبيرية في اجتماع الجمعية اللاهوتية الإنجيلية سنة ١٩٨٦، وارتبطت الصيغة الجديدة بأسماء كريغ بلايزنغ وداريل بوك وروبرت سوسي.[٨]
ولم يعد مقصد الله عند هذه المدرسة مقسماً بين برنامجين مستقلين، ولم تعد الكنيسة فاصلة لا علاقة عضوية لها بوعود العهد القديم. بل أكدت التدبيرية التقدمية خطة فداء مترابطة، ورأت الكنيسة مشاركة حقيقية في بركات العهود، واعترفت بملكوت واحد مركزه المسيح، بدأ حضوره وينتظر اكتماله. ولهذا قبلت بصورة أوضح بنية “الآن وليس بعد”، وأن ملك المسيح الداودي بدأ بقيامته وصعوده.[٨]
ومع ذلك لا تتطابق التدبيرية التقدمية مع اللاهوت المُصلَح. فهي تبقي عادةً على تمييز مؤسسي بين إسرائيل والكنيسة، وعلى مستقبل قومي متميز لإسرائيل، وعلى إتمام أرضي مستقبلي لجوانب من الوعود. وهنا يظهر السؤال الحاسم: هل مشاركة الكنيسة الحاضرة في الوعود إتمام حقيقي يكشف مدى الوعد، أم اشتراك أولي يبقي الإتمام الأصلي لإسرائيل القومية؟[٩]
٨. التدبيرية المتطرفة: لماذا لا تمثل الاتجاه السائد؟
نشأت اتجاهات ذهبت بالتمييزات التدبيرية إلى مدى أبعد، فأخرت بداية الكنيسة من يوم الخمسين إلى خدمة بولس في أعمال الرسل ٩ أو ١٣ أو ٢٨، وربط بعض أصحابها ممارسة معمودية الماء والعشاء الرباني بإدارة سابقة لا تلزم الكنيسة الحاضرة.[١٠] لكن المدارس التدبيرية الرئيسة ترفض هذه النتائج، وتجعل بداية الكنيسة في يوم الخمسين. لذلك لا يصح أن يُلزم رايري أو والفورد أو بلايزنغ بكل ما قاله بولينغر أو أتباع مدرسة أعمال الرسل ٢٨؛ فالإنصاف الأكاديمي ينسب كل رأي إلى أصحابه.
٩. ماذا يثبت التاريخ؟ وماذا لا يثبت؟
يثبت التاريخ أن بعض عناصر التدبيرية ظهرت قبل القرن التاسع عشر، ويثبت أيضاً أن التركيب الحديث المتماسك ارتبط بداربي وحركة الإخوة، ثم توسع وتوحدت صورته الشعبية بواسطة سكوفيلد والمؤتمرات والمعاهد. ويثبت كذلك أن التدبيرية لم تبق في صورة واحدة، بل راجع علماؤها مواقفهم من الكنيسة والملكوت والتفسير.[١١] لكنه لا يثبت أن داربي أخطأ لأن صياغته حديثة، ولا أنه أصاب لأنه استعمل كلمات وتقسيمات لها سوابق قديمة. كما أن انتشار كتاب سكوفيلد لا يبرهن الصحة أو البطلان؛ فمحك الحق هو الكتاب المقدس.
ومن منظور مُصلَح، تستحق المراجعات الداخلية للتدبيرية أن تُقرأ باحترام. فتخلي المدرسة المعدلة عن أشد صور الفصل الأبدي، واعتراف المدرسة التقدمية بملك المسيح الحاضر ووحدة أوسع للتاريخ الخلاصي، ليسا تنازلين عن سلطان الكتاب، بل نتيجة لإعادة دراسة نصوصه. وهذا نفسه ينبهنا إلى أن عبارة “القراءة الحرفية الواضحة” لم تنتج عبر الأجيال إجابة تدبيرية واحدة.[١١] ولهذا لا ينتهي الفصل بسؤال: من كان الأقدم؟ بل بسؤال: أي هذه الصيغ تنسجم مع طريقة المسيح والرسل في قراءة الوعود؟ وهذا هو موضوع الفصل التالي.[١٢]
خلاصة الفصل
لم تظهر التدبيرية من الفراغ، ولم تكن في الوقت نفسه النظام السائد في الكنيسة بكل عصورها. سبقتها عناصر مثل تقسيم التاريخ، وما قبل الألفية، وتوقع مستقبل لليهود. لكن داربي جمع التمييز بين إسرائيل والكنيسة، والفهم المستقبلي للنبوة، والاختطاف قبل الضيقة، في بناء حديث مترابط، انتشر لاحقاً وراجعته المدرستان المعدلة والتقدمية.
الحواشي
[١] M. James Sawyer, The Survivor’s Guide to Theology (Grand Rapids, Michigan: Zondervan, 2006), 373–375. ↩ ↩
[٢] Kerry Trahan, A Complete Guide to Understanding the Dispensationalism Controversy (Port Neches, Texas: Disciple of Jesus Ministries, 2007), 44–54. ↩
[٣] Samuel Macauley Jackson, ed., The New Schaff-Herzog Encyclopedia of Religious Knowledge: Embracing Biblical, Historical, Doctrinal, and Practical Theology and Biblical, Theological, and Ecclesiastical Biography from the Earliest Times to the Present Day, vol. 9 (New York and London: Funk & Wagnalls, 1911), 95–99. ↩
[٤] M. James Sawyer, The Survivor’s Guide to Theology (Grand Rapids, Michigan: Zondervan, 2006), 375–376. ↩
[٥] M. James Sawyer, The Survivor’s Guide to Theology (Grand Rapids, Michigan: Zondervan, 2006), 375–376، 385–387. ↩ ↩
[٦] M. James Sawyer, The Survivor’s Guide to Theology (Grand Rapids, Michigan: Zondervan, 2006), 376–378. قارن Anthony A. Hoekema, The Bible and the Future (Grand Rapids, Michigan: William B. Eerdmans Publishing Company, 1994), 194–195. ↩
[٧] M. James Sawyer, The Survivor’s Guide to Theology (Grand Rapids, Michigan: Zondervan, 2006), 378–379. ↩
[٨] M. James Sawyer, The Survivor’s Guide to Theology (Grand Rapids, Michigan: Zondervan, 2006), 379–381. ↩ ↩
[٩] Kerry Trahan, A Complete Guide to Understanding the Dispensationalism Controversy (Port Neches, Texas: Disciple of Jesus Ministries, 2007), 57–58. ↩
[١٠] Charles C. Ryrie, “Ultradispensationalism,” reprinted from Dispensationalism Today (Chicago: Moody Press, 1965), 3–7. ↩
[١١] M. James Sawyer, The Survivor’s Guide to Theology (Grand Rapids, Michigan: Zondervan, 2006), 388–391. ↩ ↩
[١٢] Joel R. Beeke and Paul M. Smalley, Reformed Systematic Theology, Volume 4: Church and Last Things (Wheaton, Illinois: Crossway, 2024), 872–899، 932. ↩
اترك رد