الفصل السابع: هل بقي رجاء خاص الفصل؟ وماذا عن الأرض والهيكل والملكوت؟
حين سألنا في الفصل السابق عن معنى “جميع إسرائيل” في رومية ١١: ٢٦، لم يكن السؤال نظريًا. فطريقة إجابتنا تؤثر في نظرتنا إلى اليهود اليوم، وفي فهمنا لوعد الأرض وهيكل حزقيال وملك المسيح. نحتاج هنا إلى التمييز بين أمرين: رجاء حقيقي في رحمة الله لليهود، وادعاء أن هذا الرجاء لا يتحقق إلا بعودة نظام قومي وعبادي منفصل عن الكنيسة. الأول يثبته كلام بولس؛ أما الثاني فيحتاج إلى برهان إضافي من مجموع الكتاب المقدس.
رجاء اليهود في رومية ١١
يرفض بولس القول إن الله رفض شعبه رفضًا مطلقًا. فهو نفسه إسرائيلي آمن بالمسيح، وهناك بقية حسب اختيار النعمة (رومية ١١: ١-٦). ثم يشبّه المؤمنين من الأمم بأغصان برية طُعِّمت في زيتونة واحدة، وينبّههم إلى ألا يفتخروا على الأغصان الطبيعية. ويظل تطعيم اليهود الذين لا يثبتون في عدم الإيمان ممكنًا (رومية ١١: ١٧-٢٤). لذلك لا يجوز للتفسير المُصلَح أن يمحو اليهود من أفق الرجاء أو يحوّل دعوة الكنيسة لهم إلى أمر ثانوي. وما من طريق خلاص آخر لهم: الأغصان الطبيعية تعود بالإيمان إلى الشجرة نفسها، لا إلى شجرة ثانية.[١]
يبقى معنى “وهكذا سيخلص جميع إسرائيل” موضع نقاش (رومية ١١: ٢٥-٢٦). يقرأ فرختنباوم العبارة بوصفها وعدًا بخلاص قومي واسع عند مجيء المسيح، يرتبط باسترداد إسرائيل في أرضها. ويرى بعض المفسرين المُصلَحين أن بولس يتحدث عن اجتماع اليهود المختارين عبر التاريخ، بينما يترك آخرون الباب مفتوحًا لإقبال واسع في المستقبل. النص يدعونا، مهما كان الترجيح، إلى الصلاة من أجل خلاص اليهود وإلى التواضع أمام سر رحمة الله؛ لكنه لا يذكر في هذا الموضع حدود الأرض أو برنامج الذبائح أو توقيت بناء الهيكل. فلا ينبغي أن نحمل رومية ١١ وحدها ما لم تقله.[٢]
ولا يلزم من اختلافنا في معنى “جميع إسرائيل” أن نختلف في موقفنا الأخلاقي من اليهود. فبولس يحزن على عدم إيمان كثيرين منهم، ويرجو رحمتهم، ويحذر المؤمنين من الأمم من الكبرياء (رومية ٩: ١-٣؛ ١١: ١٨، ٣٠-٣٢). قد نتوقع عودة واسعة إلى المسيح، أو نرى أن الرسالة تبرز عمل الله المستمر في البقية؛ وفي الحالين تبقى الشهادة لهم بمحبة وأمانة واجبًا حاضرًا. لا يقوم هذا الواجب على تقديرنا لجدول أحداث النهاية.
هل انتهى وعد الأرض أم اتسع؟
وعد الله إبراهيم ونسله بأرض محددة، وعاش شعب إسرائيل في هذه الأرض، وفقدها في السبي ثم عاد إليها. لا يصح وصف هذه الوقائع أو الوعود بأنها مجرد استعارات. من هنا يشدد فرختنباوم على أن أمانة الله تقتضي استردادًا قوميًّا ملموسًا للأرض في الملكوت المستقبلي. وقوة حجته أنه يطالب القارئ بألا ينتقل من لغة الأنبياء الجغرافية إلى معنى آخر من دون تفسير لهذا الانتقال. وهو سؤال جاد، لا يُجاب عنه بقول سريع إن كل وعد أرضي أصبح “روحيًا”.[٣]
غير أن العهد الجديد يضع الوعد في أفق أوسع. يصف بولس إبراهيم بأنه وارث “العالم” (رومية ٤: ١٣)، ويقول كاتب العبرانيين إن الآباء الذين سكنوا أرض الموعد بالإيمان كانوا يطلبون وطنًا أفضل ومدينة أعدها الله (عبرانيين ١١: ٨-١٦). ويصل مشهد الرؤيا إلى سماء جديدة وأرض جديدة يسكن الله فيها مع شعبه (رؤيا ٢١: ١-٣). لذلك يرى روبرتسون أن أرض كنعان كانت عطية حقيقية وعلامة تمهّد لميراث أرحب، لا وعدًا أُبطل عندما جاء المسيح. ومن هذا المنظور، ليس الميراث النهائي أقل مادية من الأرض القديمة؛ إنه الخليقة المتجددة كلها.[٤]
هذه القراءة لا تسمح لنا بالقفز من وعد إبراهيم القديم إلى حكم مباشر على كل نزاع سياسي معاصر. فالكتاب يعلّمنا أمانة الله، ولا يمنح الكنيسة تفويضًا لتجاهل عدل الله تجاه من يعيشون اليوم في الأرض، يهودًا كانوا أو غير يهود. كذلك فإن القول باتساع الميراث في المسيح لا يبرر إنكار الصلة التاريخية الخاصة بين إسرائيل والأرض في العهد القديم. القضية التفسيرية الأدق هي: كيف يبلغ الوعد، الذي بدأ في مكان معين، غايته في المسيح والخليقة الجديدة؟
كيف نقرأ هيكل حزقيال؟
يرى حزقيال في الفصول ٤٠-٤٨ هيكلًا تقاس أبوابه وساحاته ومذابحه، ثم يرى مجد الرب يعود ليسكن وسط شعبه. لاحظ جون تايلور أن تفاصيل القياس والقداسة تشرح معنى المكان الذي يحل فيه حضور الله، وأن وصف الرؤيا يستعمل أيضًا سمات الإعلان الرؤيوي. ويقرأ فرختنباوم هذا الوصف بوصفه مخططًا لهيكل حقيقي في الملكوت الألفي؛ لأن كثرة المقاييس، في رأيه، تفقد معناها إذا عُدّت رموزًا عامة. ليس من الإنصاف اختزال موقفه إلى رغبة في إعادة الماضي: إنه يحاول المحافظة على خصوصية النص النبوي ووعد حضور الله وسط إسرائيل.[٥]
لكن كثرة التفاصيل لا تحدد وحدها زمن تحقيق الرؤيا وطريقته. فالعهد الجديد يعرّف يسوع بأنه موضع حضور الله الحقيقي (يوحنا ٢: ١٩-٢١)، ويصف المؤمنين به بأنهم يُبنون معًا مسكنًا لله بالروح (أفسس ٢: ١٩-٢٢)، ثم يرينا المدينة الجديدة بلا هيكل منفصل لأن الله والحمل فيها (رؤيا ٢١: ٢٢). بناءً على هذا المسار، نفهم رؤية حزقيال بوصفها إعلانًا أمينًا عن عودة حضور الله وقداسته إلى شعبه، يتكشف معناها في المسيح وينتهي إلى سكنى الله الدائمة مع المفديين. هذا تفسير نمطي، لا دعوى بأن القياسات بلا معنى؛ فالقياسات تخدم رسالة القداسة والنظام الإلهي داخل الرؤيا، حتى لو لم تكن خريطة بناء أخيرة.[٦]
ويفيدنا هنا أن نسأل عمّا أراد النبي إيصاله إلى المسبيين أولًا. فقد رأوا هيكلهم مدمرًا ومجد الرب يفارق المدينة؛ ثم سمعوا وعد رجوعه إلى موضع مقدس لا يدنسه الشعب كما فعل سابقًا (حزقيال ١٠: ١٨-١٩؛ ٤٣: ١-١٢). لهذا تمنح الرؤيا الرجاء شكلًا قابلًا للرؤية، وتلزم سامعيها بالتوبة والقداسة. لا يلغي النظر إلى تحقيقها في المسيح هذه الرسالة الأولى، بل يبين كيف يتجاوز حضور الله الأخير كل بناء كان يستطيع المسبيون تخيله.
ماذا عن الذبائح؟
هنا يصبح الخلاف أشد. فحزقيال يذكر مذبحًا وكهنة وتقدمات (حزقيال ٤٣: ١٨-٢٧؛ ٤٤: ١٥-٣١)، ولا يجوز أن نتجاوز هذه العبارات. يقول فرختنباوم إن ذبائح الملكوت ستكون نظامًا جديدًا، لا إعادة حرفية لشريعة موسى. ويعرض لها غرضًا تذكاريًا يشبه تذكّر موت المسيح في العشاء الرباني. ثم ينقل رأي جون ويتكومب، الذي يرفض حصرها في التذكار ويجعل لها وظيفة تطهيرية طقسية مؤقتة داخل نظام الملكوت، من غير أن تمنح الخلاص الأبدي أو تنافس كفارة المسيح. ينبغي أن نميز هذين التعليلين في المصدر نفسه، فلا ننسب إلى جميع التدبيريين جوابًا واحدًا.[٧]
في المقابل، لا تكتفي رسالة العبرانيين بالمقارنة بين دم الحيوانات ودم المسيح؛ بل تقابل خدمة كهنوتية تتكرر فيها الذبائح بخدمة المسيح، رئيس الكهنة الذي قدّم نفسه مرة واحدة. وتصف العهد الأول بأنه عتيق، وتعلن أن المسيح دخل الأقداس بدمه، وأنه بعد غفران الخطايا لا تبقى ذبيحة عنها (عبرانيين ٨: ١٣؛ ٩: ١١-١٤؛ ١٠: ١٠-١٨). ويشرح غوثري أن نهاية هذا المقطع تربط انتهاء ذبائح الخطية بكمال الغفران في العهد الجديد. ولا تتناول الرسالة رؤيا هيكل حزقيال مباشرة، لذلك لا يجوز أن ننسب إليها عبارة تنفي كل ذبيحة مستقبلية. لكن التفسير المُصلَح يسأل: كيف يمكن أن تعود ذبائح ذات وظيفة تطهيرية بعد أن أعلنت الرسالة كفاية ذبيحة المسيح؟ هذه حجة مستمدة من تعليم الرسالة، لا تصريح مباشر فيها عن هيكل حزقيال.[٨]
الملكوت الحاضر والآتي
يربط فرختنباوم استرداد إسرائيل بإعادة عرش داود، ويقول إن يسوع لم يمارس بعد وظيفة الملك، بل تبدأ هذه الوظيفة عند مجيئه الثاني. أما قراءة العهد الجديد من منظور مُصلَح فتبدأ بوعظ بطرس: أقام الله يسوع وأجلسه عن يمينه، مرتبطًا بوعده لداود (أعمال الرسل ٢: ٢٩-٣٦). ويقول بولس إن المؤمنين نُقلوا إلى ملكوت الابن (كولوسي ١: ١٣-١٤)، وإن المسيح يملك الآن حتى يضع أعداءه تحت قدميه، ثم يأتي تمام الملكوت (كورنثوس الأولى ١٥: ٢٤-٢٨). لذلك لا نؤجل كل ملكه إلى المستقبل، ولا نزعم في الوقت نفسه أن الشر والموت قد زالا بالفعل.[٩]
يلخص تعبير “الآن، وليس بعد” هذا الترتيب: ابتدأ الملكوت بحضور يسوع وعمله وقيامته، وسيظهر في كماله عند عودته وتجديد الخليقة. يشرح ستورمز أن الأمل المُصلَح في ملكوت مكتمل ليس هروبًا من الأرض، بل انتظارًا لسماء جديدة وأرض جديدة. ويظل الاختلاف الحقيقي مع فرختنباوم في شكل المرحلة الآتية وطريقة قراءة وعود إسرائيل، لا في الإيمان بأن الله سيقيم عدله في عالم حقيقي.[١٠]
ما الذي نستطيع تأكيده؟
يبقى لليهود موضع واضح في دعوة الله إلى الإيمان بالمسيح، وتبقى أمانته لمواعيده سببًا للرجاء لا للافتخار. أرض الموعد لم تكن وهمًا، لكنها في قراءة العهد الجديد تفتح أنظارنا إلى ميراث الخليقة المتجددة. ورؤيا الهيكل والذبائح تفرض علينا احترام صورة النبي كاملة، مع إعطاء كفاية ذبيحة المسيح ومكانته المركزية في العهد الجديد وزنَهما. وأخيرًا، يسوع هو الملك القائم الآن، الذي ننتظر ظهوره المجيد. هذه النتائج لا تنهي كل خلاف تفسيري، لكنها تحدد أين يقع الخلاف، وتعيننا على مناقشته من دون إلغاء اليهود أو إضعاف الإنجيل.
الهوامش والمراجع
[١] Arnold G. Fruchtenbaum, Israelology: The Missing Link in Systematic Theology, rev. ed. (Tustin, CA: Ariel Ministries, 1994), 743–745; William Hendriksen, Exposition of Paul’s Epistle to the Romans, New Testament Commentary (Grand Rapids, MI: Baker Book House, 1981), 366–376. ↩
[٢] Arnold G. Fruchtenbaum, Israelology: The Missing Link in Systematic Theology, rev. ed. (Tustin, CA: Ariel Ministries, 1994), 784–787; Joseph A. Fitzmyer, Romans: A New Translation with Introduction and Commentary, Anchor Bible 33 (New York: Doubleday, 1993), 619–624; Sam Storms, Kingdom Come: The Amillennial Alternative (Fearn, Scotland: Mentor, 2013), 327–334. ↩
[٣] Arnold G. Fruchtenbaum, Israelology: The Missing Link in Systematic Theology, rev. ed. (Tustin, CA: Ariel Ministries, 1994), 793–803; O. Palmer Robertson, The Israel of God: Yesterday, Today, and Tomorrow (Phillipsburg, NJ: P&R Publishing, 2000), 4–13. ↩
[٤] O. Palmer Robertson, The Israel of God: Yesterday, Today, and Tomorrow (Phillipsburg, NJ: P&R Publishing, 2000), 13–18; Sam Storms, Kingdom Come: The Amillennial Alternative (Fearn, Scotland: Mentor, 2013), 348, 357–360. ↩
[٥] John B. Taylor, Ezekiel: An Introduction and Commentary, Tyndale Old Testament Commentaries 22 (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 2009), 248–261; Arnold G. Fruchtenbaum, Israelology: The Missing Link in Systematic Theology, rev. ed. (Tustin, CA: Ariel Ministries, 1994), 809–810. ↩
[٦] Sam Storms, Kingdom Come: The Amillennial Alternative (Fearn, Scotland: Mentor, 2013), 16–21; John B. Taylor, Ezekiel: An Introduction and Commentary, Tyndale Old Testament Commentaries 22 (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 2009), 258–261. ↩
[٧] Arnold G. Fruchtenbaum, Israelology: The Missing Link in Systematic Theology, rev. ed. (Tustin, CA: Ariel Ministries, 1994), 810–813. Fruchtenbaum there summarizes and quotes John C. Whitcomb’s distinct proposal; this note cites Fruchtenbaum’s presentation, not a separately consulted copy of Whitcomb’s article. ↩
[٨] Donald Guthrie, Hebrews: An Introduction and Commentary, Tyndale New Testament Commentaries 15 (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 2008), 180, 188–189, 207–211. ↩
[٩] Arnold G. Fruchtenbaum, Israelology: The Missing Link in Systematic Theology, rev. ed. (Tustin, CA: Ariel Ministries, 1994), 803–805; Sam Storms, Kingdom Come: The Amillennial Alternative (Fearn, Scotland: Mentor, 2013), 335–341. ↩
[١٠] Sam Storms, Kingdom Come: The Amillennial Alternative (Fearn, Scotland: Mentor, 2013), 335–341, 348, 357–360. ↩