الفصل الثالث: ماذا يعني التفسير الحرفي، وكيف يقرأ العهد الجديد العهد القديم؟

تُقدَّم عبارة “التفسير الحرفي” أحياناً كأنها تحسم الخلاف قبل فحص النصوص: التدبيري يقرأ ما يقوله الكتاب، أما غير التدبيري فيحوّله إلى رموز. لكن هذا التقابل لا يصف النقاش بدقة. فالمفسرون الإنجيليون والمُصلَحون لا ينكرون المعنى التاريخي أو قواعد اللغة، والتدبيريون أنفسهم لا يأخذون كل صورة أو مثل أو رؤيا على نحو مادي جامد. والسؤال الحقيقي أعمق: كيف يعمل المعنى التاريخي للنص داخل كتاب واحد له مؤلفون بشريون كثيرون ومؤلف إلهي واحد؟ وعندما يعلن العهد الجديد إتمام وعد من العهد القديم، هل يضيف إليه تطبيقاً جديداً مع إبقاء معناه القومي الأول كما هو، أم يكشف المدى الكامل الذي قصده الله منذ البداية؟ سيختبر هذا الفصل من الدراسة هذه المسألة قبل الانتقال إلى إسرائيل والكنيسة.[١]

١. ما الذي يتفق عليه الطرفان؟

يبدأ الطرفان المحافظان من أمور مهمة مشتركة: الكتاب موحى به وذو سلطان، والكلمات والجمل والسياق التاريخي مهمة، والنوع الأدبي يوجه القراءة، ولا يحق للمفسر أن يحمّل النص أفكاراً من خياله. كما يؤمن الطرفان برجوع المسيح الشخصي المنظور، وقيامة الأجساد، والدينونة، والخليقة الجديدة. لذلك لا يدور الخلاف بين من يحترم النص ومن لا يحترمه، ولا بين من يؤمن بوقائع حقيقية ومن يحول كل شيء إلى أفكار باطنية. موضع الخلاف هو العلاقة بين أجزاء الإعلان: ما مقدار ما يكشفه العهد الجديد عن المعنى المقصود في العهد القديم، وما أثر مجيء المسيح في هوية الوارث وصورة الميراث؟

٢. ماذا يعني رايري بالقراءة الحرفية؟

يفضل رايري كلمات مثل “العادي” و”الواضح” إلى جانب “الحرفي”. وهو لا يقصد إنكار المجاز، بل فهم الكلمات وفق استعمالها المألوف في سياقها. ويجعل الدراسة النحوية نقطة البداية، ثم يضيف السياق التاريخي، ومقارنة الكتاب بالكتاب، ومراعاة تدرج الإعلان.[١] وتقوم حجته على ثلاث نقاط قوية: اللغة وُجدت للتواصل، والقراءة العادية توفر قدراً من الموضوعية، ونبوات كثيرة عن مجيء المسيح الأول تحققت في أحداث تاريخية فعلية. لذلك يخشى رايري أن يؤدي الانتقال غير المنضبط من المعنى العادي إلى معنى رمزي إلى جعل النظام اللاهوتي حاكماً على النص.[٢] وهذه مخاوف مشروعة؛ فالتأويل الذي لا تضبطه اللغة والسياق يمكن أن يجعل النص يقول ما يرغب فيه القارئ. كما أن وعود الله ليست أوهاماً، وتجسد المسيح وموته وقيامته وقائع تاريخية لا استعارات عن التجربة الدينية.

٣. هل تعني الحرفية قراءة كل شيء مادياً؟

مع ذلك، لا تعني القراءة العادية أن كل كلمة تصف شيئاً مادياً بالطريقة نفسها. عندما قال المسيح “أنا الباب”، لم يطلب أن نتصوره قطعةً من خشب. وعندما رأى يوحنا سيفاً خارجاً من فم المسيح، لم يقصد سلاحاً معدنياً، بل قوة كلمته وسلطانها. تحديد مواضع استخدام الأسلوب المجازي ليس هروباً من النص، بل هو جزء من فهمه العادي. وتزداد أهمية النوع الأدبي في الرؤى النبوية؛ فسفر الرؤيا رسالة ونبوة وسفر رؤيوي في آن واحد، ولذلك يخاطب كنائس تاريخية حقيقية بواسطة صور مكثفة مستمدة من دانيال والأنبياء. لا يقل صدق الرؤيا عندما يكون الوحش أو التنين أو السيف رمزاً، بل يكشف الرمز حقيقةً تاريخية وروحية بلغة تناسب غرض السفر.[٣] إذن لا يكفي أن نسأل: “هل نقرأ حرفياً؟” بل ينبغي أن نسأل: ما الذي تطلبه اللغة والنوع الأدبي والسياق من القارئ في هذا الموضع؟

٤. أين يقع الخلاف الحقيقي؟

يعترف تراهان بأن التدبيريين لا يقدمون تعريفاً واحداً تفصيلياً للحرفية. فبعضهم يشدد على “المعنى الواضح”، وبعضهم على المرجع الحرفي، وبعضهم على الاستعمال العادي للغة. كما ينقل أن المنهج النحوي التاريخي ليس ملكاً للتدبيرية، بل يشترك فيه الإنجيليون على نطاق واسع.[٤] ويذهب بعض التدبيريين التقدميين إلى أن الخلاف لا يُحل بالشعار العام، بل بتفسير النصوص المحددة. وهذه ملاحظة مهمة؛ لأن الجميع يعترفون بالمجاز، لكنهم يختلفون في تحديد وظيفة الصورة والنمط، وفي مقدار ما يضيفه السياق القانوني الكامل إلى فهم النص الأول. ولهذا قد يقرأ مفسران العبارة نفسها وفق قواعد اللغة والتاريخ، ثم يختلفان لأن أحدهما يجعل أفق السامع الأول الحد الأعلى للمعنى، بينما يسمح الآخر للمؤلف الإلهي بأن يكشف في الأسفار اللاحقة مدىً لم يكن ظاهراً بالكامل في البداية.

٥. ماذا يضيف الإعلان المتدرج؟

يوفر عرض رايري نقطة التقاء مهمة. فهو يقرر أن للكتاب مؤلفاً بشرياً ومؤلفاً إلهياً، وأن الكاتب البشري لم يكن دائماً مدركاً لجميع لوازم كلماته. ولذلك يقبل وجود معنى أكمل، مرتبط بالمعنى الأول، يظهر عند مقارنة الكتاب بالكتاب. كما يؤكد ضرورة الاعتراف بتدرج الإعلان، لأن العهد الجديد يضيف أموراً لم تكن مكشوفةً بالوضوح نفسه في العهد القديم.[٥] وهذا الاعتراف يمنعنا من وضع العهدين جنباً إلى جنب كوثيقتين مستقلتين؛ فالإعلان اللاحق لا يناقض السابق، لكنه يفسره ويبين غايته. ويبقى السؤال: هل يقتصر هذا البيان على إضافة بركات جديدة، أم يكشف أن بعض صور العهد القديم كانت منذ البداية ظلالاً تشير إلى واقع أعظم؟

٦. كيف يقرأ الرسل العهد القديم؟

لا يكتفي الرسل بإعادة الكلمات في معناها التاريخي المباشر، ولا يتعاملون معها كلغز يسمح بأي جواب. ففي هوشع ١١: ١ تشير عبارة خروج الابن من مصر أولاً إلى تاريخ إسرائيل، لكن متى ٢: ١٥ يراها متحققةً في المسيح. لا ينكر متى الخروج القديم، بل يرى أن يسوع، الابن الأمين، يعيد في شخصه قصة الابن إسرائيل ويتممها.

وفي أعمال الرسل ٢: ١٦-٢١ يعلن بطرس أن انسكاب الروح في يوم الخمسين هو ما تكلم عنه يوئيل عن “الأيام الأخيرة”. لم يكن هذا مجرد تشابه وعظي؛ فقد رأى الرسول أن عصر الإتمام بدأ، من غير أن يعني ذلك أن كل عناصر النبوة بلغت اكتمالها النهائي في ذلك اليوم.

وفي أعمال الرسل ١٥: ١٣-١٨ يستعمل يعقوب وعد إقامة خيمة داود في عاموس ليشرح دخول الأمم إلى شعب الله في زمن الإنجيل. وتوضح دراسة غريغوري ك. بيل لاستعمال يوحنا للعهد القديم أن الكاتب لا ينسخ النبوات آلياً، بل يقرأها في ضوء موت المسيح وقيامته وتكوين الكنيسة. ومع ذلك يحافظ على احترام سياقاتها، ويقدم تطوراً عضوياً لمعانيها، لا معاني غير محدودة يصنعها كل قارئ لنفسه.[٦] [٧]

٧. كيف يحفظ الإتمام الوعد ويوسعه؟

تكشف بعض أمثلة العهد الجديد أن الإتمام ليس دائماً صورةً فوتوغرافيةً مكبرةً للوعد القديم. فالنسل الموعود لإبراهيم يبلغ مركزه في المسيح، ثم يشترك فيه الذين هم في المسيح (غلاطية ٣: ١٦، ٢٩). ووعد الأرض يظهر في رومية ٤: ١٣ بوصف إبراهيم وارثاً للعالم، بينما يتطلع الآباء في العبرانيين ١١: ١٠، ١٦ إلى المدينة التي الله بانيها وإلى وطن أفضل سماوي.

وبالطريقة نفسها ينتقل موضوع الهيكل من البناء إلى جسد المسيح (يوحنا ٢: ١٩-٢١)، ثم إلى شعب متحد به (أفسس ٢: ٢٠-٢٢)، حتى تبلغ الرؤيا مدينةً لا هيكل فيها لأن الله والحمل هيكلها (الرؤيا ٢١: ٢٢). لا يلغي هذا تاريخ الأرض أو الهيكل، بل يكشف الوظيفة النمطية التي أدياها في الطريق إلى المسيح والخليقة الجديدة.[٨] [٩] وهذه أمثلة تمهيدية ستُفحص بتفصيل أكبر في الفصول اللاحقة، لكنها تكفي هنا لتبين أن الانتقال من الصورة القديمة إلى الإتمام المسياني لا يساوي إنكار النص أو استبداله.

٨. هل الإتمام الروحي أقل حقيقة؟

تسبب كلمة “روحي” ارتباكاً في هذا النقاش. فقد تُستعمل أحياناً لإفراغ الوعد من مضمونه، لكن هذا ليس ما تقصده القراءة المُصلَحة. قيامة المسيح جسدية، ورجوعه منظور، وقيامة المؤمنين جسدية، والخليقة الجديدة عالم حقيقي يسكن فيه البر. أما القول إن الوعد يتم في المسيح وبالروح، فلا يجعله أقل واقعية. ويرى أنطوني هوكيما أن العهد الجديد يعلن بدء زمن الإتمام بمجيء المسيح وقيامته وحلول الروح، مع بقاء الاكتمال الآتي. لذلك تجمع الأخرويات بين “الآن” و”ليس بعد”: الملكوت حاضر حقاً، لكنه لم يكتمل؛ والمؤمنون نالوا باكورة الميراث، لكنهم ينتظرون تجديد الخليقة كلها.[١٠] والمقابلة الصحيحة، إذن، ليست بين “حرفي حقيقي” و”روحي غير حقيقي”، بل بين طرائق مختلفة لفهم كيفية انتقال الوعد التاريخي إلى اكتماله في المسيح.

٩. كيف تنضبط القراءة المسيانية والنمطية؟

لا تمنح القراءة المسيانية المفسر حرية اختراع رموز. ولكي تبقى القراءة منضبطة، ينبغي أن تراعي معاً:

  • المعنى النحوي والتاريخي للنص في سياقه الأول.
  • النوع الأدبي والإشارات التي تدل على المجاز أو الرمز.
  • موقع النص في مسار العهود وتاريخ الفداء.
  • تفسير المسيح والرسل للأسفار السابقة.
  • وحدة قصد الله، بحيث يكون الإتمام نمواً عضوياً لا نقضاً للوعد.

الفرق بين النمط والتأويل الاعتباطي أن النمط قائم على أشخاص وأحداث ومؤسسات حقيقية رتبها الله لتشير إلى ما هو أعظم. فالذبيحة والهيكل والكهنوت وقائع تاريخية، لكنها لم تكن الغاية النهائية. رسالتها الكاملة تظهر عندما تبلغ مقصدها في المسيح.

١٠. السؤال الذي يقود إلى إسرائيل والكنيسة

يقول العرض التدبيري التقليدي إن أمانة الله تقتضي أن تحتفظ وعود إسرائيل بمعناها القومي والجغرافي الأول، وإن تطبيق العهد الجديد بعض هذه الوعود على الكنيسة لا يستنفد الإتمام الموعود لإسرائيل. ويخشى هذا الاتجاه أن يؤدي التوسع المسياني إلى نقل الوعود من أصحابها. أما القراءة المُصلَحة فتقول إن الرسل لا ينقلون الوعود إلى شعب غريب، بل يكشفون أن المسيح هو الوارث الذي تجتمع فيه الوعود، وأن اليهود والأمم المتحدين به يشتركون في ميراثه. فالإتمام لا يصغر الوعد، بل يوسعه من الظل إلى الحقيقة، ومن أرض محدودة إلى الخليقة الجديدة، ومن هيكل مصنوع إلى حضور الله في المسيح وشعبه.

وقد ضيقت التدبيرية التقدمية المسافة بين القراءتين حين اعترفت ببدء ملك المسيح وبمشاركة الكنيسة الحقيقية في بركات العهود. لكن السؤال يبقى: هل توجد في قصد الله جماعتان لهما هويتان وبرنامجان متمايزان، أم شعب عهدي واحد يبلغ وحدته في المسيح؟ وهذا هو موضوع الفصل التالي.

خلاصة الفصل

التفسير الحرفي، في أفضل تعريفاته، هو قراءة النص وفق لغته وسياقه ونوعه الأدبي، لا قراءة كل صورة على نحو مادي جامد. وهذه مبادئ يشترك فيها المفسرون المحافظون، لذلك لا يُحسم الخلاف بتوزيع الألقاب بين “حرفي” و”رمزي”. المسألة الحاسمة هي سلطة الإعلان اللاحق في كشف المدى الكامل للوعد السابق. يحفظ المنهج المُصلَح المعنى التاريخي، لكنه يقرأه داخل وحدة الكتاب وتدرج الإعلان وطريقة المسيح والرسل. فالنمط ليس نفياً للتاريخ، والإتمام في المسيح ليس إلغاءً للوعد، بل وصوله إلى الغاية التي قصدها مؤلف الكتاب الإلهي.

الحواشي

[١] Charles C. Ryrie, Basic Theology: A Popular Systematic Guide to Understanding Biblical Truth (Chicago: Moody Publishers, 1999), 125–130. ↩ ↩

[٢] Charles C. Ryrie, Basic Theology: A Popular Systematic Guide to Understanding Biblical Truth (Chicago: Moody Publishers, 1999), 128–129. ↩

[٣] Joel R. Beeke and Paul M. Smalley, Reformed Systematic Theology, Volume 4: Church and Last Things (Wheaton, Illinois: Crossway, 2024), 847–854. ↩

[٤] Kerry Trahan, A Complete Guide to Understanding the Dispensationalism Controversy (Port Neches, Texas: Disciple of Jesus Ministries, 2007), 141–144. ↩

[٥] Charles C. Ryrie, Basic Theology: A Popular Systematic Guide to Understanding Biblical Truth (Chicago: Moody Publishers, 1999), 129–131. ↩

[٦] G. K. Beale, John’s Use of the Old Testament in Revelation (Sheffield, England: Sheffield Academic Press, 1998), 15–18. ↩

[٧] G. K. Beale, John’s Use of the Old Testament in Revelation (Sheffield, England: Sheffield Academic Press, 1998), 39–43. ↩

[٨] O. Palmer Robertson, The Israel of God: Yesterday, Today, and Tomorrow (Phillipsburg, New Jersey: P&R Publishing, 2000), 4–7. ↩

[٩] O. Palmer Robertson, The Israel of God: Yesterday, Today, and Tomorrow (Phillipsburg, New Jersey: P&R Publishing, 2000), 10–14. ↩

[١٠] Anthony A. Hoekema, The Bible and the Future (Grand Rapids, Michigan: William B. Eerdmans Publishing Company, 1994), 14–20. ↩

العودة إلى فهرس الدراسة