الفصل الرابع: هل تحدد الكنيسة قانون الكتاب المقدس؟ المجامع والآباء وحدود شهادتهم

عرض ويتاكر في الفصل السابق أمثلة لمن أنقصوا من قانون الكتاب، فرفضوا عهداً كاملاً أو أسفاراً بعينها أو أضعفوا الثقة بكتّاب الوحي. وينتقل الآن إلى الاتجاه المقابل: ما الدليل الذي يقدمه من يقبلون طوبيا ويهوديت والحكمة ويشوع بن سيراخ والمكابيين الأول والثاني بوصفها أسفاراً قانونية؟

بحسب عرضه، تتركز حجة خصومه في شهادة عدد من المجامع والآباء. فقد أدرجت هذه الكتب في قوائم كنسية، ودعاها بعض الكتّاب القدماء قانونية، واستُعملت في الكنيسة. فهل تكفي هذه الشهادة لإثبات أنها تحمل سلطان الوحي نفسه؟ أم ينبغي التمييز بين شهادة الكنيسة للكتاب وبين السلطة التي تجعل الكتاب قانونياً؟

لا يناقش ويتاكر في هذا الفصل محتوى كل سفر على حدة، ولا يقدم بعد حججه الإيجابية على حدود القانون. إنه يفحص الدليل الكنسي الذي وضعه خصومه في المقدمة: ماذا تثبت المجامع والآباء فعلاً، وما الذي لا تستطيع شهادتهم أن تثبته؟

حجة الخصوم كما يصوغها ويتاكر

يبدأ ويتاكر بعرض المراجع التي يستند إليها خصومه. في مقدمتها مجمع قرطاج الثالث، الذي عدّ الكتب المختلف عليها ضمن الأسفار القانونية، وكان أوغسطينوس من المشاركين فيه. ولأن مجمع قرطاج كان مجمعاً إقليمياً، لا مسكونياً، يضيف الخصوم أنه نال تأييد البابا لاون الرابع، وأن المجمع المعروف بالترولي في القسطنطينية ثبّت قوانينه. وبذلك يكتسب قرار قرطاج، في نظرهم، قوة أوسع من سلطة مجمع محلي.

ويضيفون إلى ذلك مجمع فلورنسا ومجمع ترنت، وقائمة منسوبة إلى البابا جلاسيوس ومجمع ضم سبعين أسقفاً. أما من الآباء والكتّاب فيذكر ويتاكر إنوسنت الأول وأوغسطينوس وإيزيدور الإشبيلي. ومن هذه الشهادات تتكون الحجة: هذه المجامع وهؤلاء الآباء عدّوا الكتب موضع الخلاف قانونية، إذاً هي أسفار قانونية.

لكن ويتاكر يرى أن هذه النتيجة لا تلزم إلا إذا أضيفت مقدمة أعم: “كل ما تقرره هذه المجامع ويؤكده هؤلاء الآباء يجب قبوله من غير نزاع”. فإذا لم تكن أحكامهم معصومة من الخطأ، أمكن أن تشهد أقوالهم على ما اعتقدته كنائس أو كتّاب في عصر معين، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن كتاباً ما هو كلام الله.

هنا يضع ويتاكر التمييز الذي يحكم الفصل كله. السؤال ليس هل لشهادة الكنيسة والقدماء قيمة، بل هل تحمل هذه الشهادة من السلطة ما يجعل نتيجتها يقينية وملزمة للضمير. وهو ينفي ذلك لأن العصمة من الخطأ، بحسب موقفه، امتياز خاص بالكتاب المقدس، لا بالمجامع ولا بالآباء.

ويفصل ويتاكر رده إلى مرحلتين ينبغي ألا نخلط بينهما. في الأولى يسأل عن سلطة الشاهد: هل يلزم أن يكون حكم المجمع أو الأب صحيحاً لمجرد صدوره عنه؟ وفي الثانية يسأل عن مضمون الشهادة نفسها: حين سمّى هؤلاء الكتب “قانونية”، هل قصدوا منحها السلطان نفسه الذي للأسفار المتفق عليها؟ فقد يقر بوجود اللفظ في قوائمهم، ثم ينازع في المعنى الذي يبني عليه خصومه النتيجة. ولهذا لا يقتصر رده على الطعن في المجامع، بل يعود بعد ذلك إلى قراءة النصوص التي استشهدوا بها.

هل يكفي قرار مجمع؟

يتناول ويتاكر المجامع المذكورة واحداً بعد الآخر. ويبدأ بفلورنسا وترنت، وهما الأقرب إلى زمنه. يعترض على شرعيتهما بوصفهما مجمعين مسيحيين، لأنه يرى أنهما وقفا ضد حق الإنجيل، وأن ترنت انعقد لتثبيت ما يعدّه أخطاء كنيسة روما. هذا حكم ويتاكر العقائدي على المجمعين، وهو أشد من مجرد الاعتراض على حيادهما. لذلك يرفض أن تكون قراراتهما مرجعاً يحسم الخلاف الذي يناقشه.

ويتوقف خصوصاً عند الجلسة الرابعة من مجمع ترنت، التي أصدرت قائمة الأسفار. يقول إن الحاضرين عند إصدار القرار كانوا نحو خمسين من المندوبين والكرادلة ورؤساء الأساقفة والأساقفة، وأكثرهم من الإيطاليين والإسبان. ويستعمل هذا العدد ليعترض على وصف الاجتماع بأنه تمثيل عام للكنيسة كلها. لا يريد ويتاكر من هذا الاعتراض العددي أن يضع قاعدة حسابية لصحة المجامع، بل أن يرفض منح القرار صفة الإجماع المسيحي الذي لا تجوز مخالفته.

وينقل جواب ألانوس كوبوس عن قلة الحاضرين: لقد عُقدت مجامع مشهورة كان عدد أساقفتها أقل من عدد الحاضرين في ترنت. لا ينكر ويتاكر ذلك بإطلاق، لكنه يميز بين المجمع الإقليمي والمجمع المسكوني. يقر بأن بعض المجامع الإقليمية كانت أصغر عدداً، ثم يتحدى خصمه أن يأتي بمجمع مسكوني انعقد بمثل هذا العدد القليل. فالمقارنة التي يطلبها هي بين اجتماعين يدّعيان تمثيل الكنيسة الجامعة، لا بين ترنت وأي اجتماع كنسي مهما كان نطاقه.

ثم ينتقل إلى مجمع قرطاج. فهو مجمع إقليمي مكوّن من عدد محدود من الأساقفة، ولذلك لا يرى أن سلطته تكفي لحسم القانون لجميع الكنائس. ويضيف اعتراضاً آخر: خصومه أنفسهم لا يقبلون كل قوانينه. فقد نهى أحد قوانين المجمع عن أن يلقّب أسقف الكرسي الرئيس بلقب “رئيس الكهنة” أو أي لقب مماثل. فإذا كان من يستندون إلى قرطاج يرفضون هذا القانون، فكيف يجعلون قانوناً آخر من المجمع نفسه ملزماً لغيرهم؟

القضية هنا هي اتساق الاستدلال. لا يكفي أن يُستدعى المجمع عندما يوافق نتيجة مقررة، ثم تُترك قوانينه الأخرى عندما لا توافق الموقف نفسه. فإن كانت سلطة قرطاج مطلقة وجب التعامل مع قراراته على هذا الأساس، وإن كانت قراراته قابلة للفحص والرفض لم يعد مجرد صدور القائمة عنه برهاناً قاطعاً على قانونية الكتب.

مشكلة الاستناد إلى المجمع الترولي

يجيب الخصوم، وفق عرض ويتاكر، بأن مجمع قرطاج نال تأييد المجمع الترولي في القسطنطينية، وهو مجمع مسكوني. ويقر ويتاكر هنا بوصفه مسكونياً، لكنه يعيد السؤال عن قانون قرطاج الذي يمنع لقب “رئيس الكهنة”: إذا كان التأييد اللاحق قد جعل قائمة الأسفار ملزمة، أفلا يشمل أيضاً هذا القانون الذي يرفضه خصومه؟ ثم ينتقل من نطاق المجمع إلى سلطة القوانين المنسوبة إليه، وهي نفسها موضع خلاف بين الكتّاب الذين يناقشهم.

يسمّي ويتاكر اثنين من هؤلاء الكتّاب: بيغيوس، الذي طعن في أصالة أعمال المجمع، وملكيور كانوس، الذي نفى عن قوانينه السلطة الكنسية الملزمة. ويذكر أن فيها أحكاماً لا تقبلها كنيسة روما، مثل مساواة أسقف القسطنطينية بأسقف روما في القانون السادس والثلاثين، وعدم فصل الكهنة والشمامسة عن زوجاتهم في القانون الثالث عشر، وفرض حكم في الصوم على الكنيسة الرومانية في القانون الخامس والخمسين. ويضيف أن القانون السابع والستين، الذي يمنع أكل الدم والمخنوق، مرفوض عنده هو أيضاً. فاعتراضه لا يقف عند مخالفة بعض القوانين للموقف الروماني، بل يشمل حكمه على صوابها.

وعلى هذا يسأل: كيف يستندون إلى تأييد المجمع الترولي لقرطاج، ويطالبون الآخرين بقبوله، وهم أنفسهم يرفضون أحكاماً صادرة عن المجمع الترولي؟ إذا كانت قوانينه قابلة للفحص والاعتراض، فإن تأييده لقائمة قرطاج لا يُعفى من هذا الفحص. ولا تكفي كلمة “مسكوني” وحدها لتجاوز المشكلة ما دام المستدل نفسه ينازع في سلطة القوانين التي ينقل منها تأييد القائمة.

ويخصص ويتاكر مساحة طويلة لما يسمى “قوانين الرسل”، لأن المجمع الترولي أقر خمسة وثمانين قانوناً من هذه القوانين. بينما عدّ جلاسيوس هذا الكتاب منحولاً، ولم تقبل تقاليد أخرى العدد نفسه. ويرى ويتاكر أن مضمون هذه القوانين يدل على تأخرها: فهي تذكر إنجيل يوحنا، مع أنها تتكلم أحياناً بصوت يوحي بأن الرسل أنفسهم مجتمعون هم الذين أصدروها. ويستبعد أن يكون بطرس وسائر الرسل قد صاغوا قائمة تتضمن كتاباً كُتب بعد موت أكثرهم.

ولا يكتفي ويتاكر بالقول إن هذه القوانين منحولة. يبدأ باختلاف النقول في عددها: المجمع يقر خمسة وثمانين قانوناً، بينما تذكر نقول أخرى خمسين أو ستين. وينقل غراتيان عن إيزيدور أن قوانين وُضعت تحت اسم الرسل لم يقبلها الكرسي الرسولي ولا الآباء، وأن وجود أمور نافعة فيها لا يثبت نسبتها إلى الرسل. فالسؤال ليس هل تحتوي المجموعة على تعليم حسن في بعض مواضعها، بل هل تصح الدعوى التي تمنحها سلطة رسولية.

ثم يوضح الاعتراض الزمني بمثال محدد. ففي أحد القوانين يُجعل بطرس متكلماً عن إبعاد سيمون الساحر عن الشركة على يده، وفي آخرها تَرِد عبارة “أعمالنا نحن الرسل”. هذه الصياغة، في قراءته، تقدّم القوانين كأن الرسل أصدروا المجموعة بأنفسهم. لكن القائمة تتضمن إنجيل يوحنا الذي يضع ويتاكر كتابته بعد موت بطرس وأكثر الرسل. فكيف تكون المجموعة صادرة عن اجتماعهم، وفيها ذكر كتاب لم يكن قد كُتب في حياتهم؟

ويعرض جوابين عن هذه الصعوبة. قال بعضهم إن الرسل عرفوا مسبقاً أن يوحنا سيكتب إنجيله؛ فيرفض ويتاكر هذا الجواب ولا يقبله تفسيراً لذكر الإنجيل في القائمة. وقال آخرون إن إكليمندس هو الذي نشر القوانين؛ فيرد بأن هذا لا يحل المشكلة بحسب التواريخ التي يستند إليها، إذ يضع موت إكليمندس قبل كتابة يوحنا إنجيله بعد رجوعه من بطمس. ولذلك يرى أن نسبة النشر إلى إكليمندس لا تزيل التعارض الزمني الذي اعترض به.

ويضيف تناقضاً آخر يتعلق بكتاب “دساتير إكليمندس”، وهو غير مجموعة “قوانين الرسل” نفسها. فالقوانين تقر هذا الكتاب ورسالتين لإكليمندس، بينما المجمع الذي يقبل تلك القوانين يرفض الدساتير. وهكذا يرى ويتاكر أن تأييد المجموعة لا يستقيم مع رفض كتاب تؤيده هي. وهذه حجة مستقلة عن اختلاف عدد القوانين وعن الاعتراض على تاريخ كتابتها.

كما أن قائمة الكتب في تلك القوانين لا تخدم الموقف الذي يُستشهد بها لتأييده. فهي تذكر ثلاثة كتب للمكابيين، ولا تذكر طوبيا ويهوديت، وتوصي بتعليم الشباب حكمة يشوع بن سيراخ من غير أن تذكر حكمة سليمان. فإذا عُدّت قوانين رسولية صحيحة ناقضت القائمة التي يراد إثباتها؛ وإذا كانت منحولة، أخطأ المجمع حين صدّقها بوصفها رسولية.

والاختيار بين صحة القوانين وعدم صحتها يضع الخصوم، بحسب حجته، أمام نتيجتين لا تخدمان موقفهم. فإن كانت رسولية حقاً، خالفت قائمتها قائمة الأسفار التي يدافعون عنها. وإن لم تكن رسولية، فقد أخطأ المجمع المسكوني حين أقرها بهذه الصفة. وعندئذ يسألهم ويتاكر كيف يجمعون بين هذا الإقرار وبين قولهم إن المجمع المسكوني لا يخطئ في قرارات الإيمان. لهذا يستطرد في المسألة: إنها تمس أساس الاحتجاج بالمجمع، لا مجرد تفصيل في تاريخ كتاب قديم.

لا تكمن أهمية هذا التفصيل في حسم تاريخ “قوانين الرسل”، بل في إظهار التناقض الذي يراه ويتاكر في استعمال الدليل. فالمجمع الترولي ثبّت قوانين قرطاج كما ثبّت قوانين الرسل. ولا يصح، في رأيه، قبول تصديقه الأول كحجة نهائية، ثم إسقاط تصديقه الثاني لأنه يؤدي إلى نتيجة غير مرغوبة.

ولا يترك اتهامه بعدم الاتساق عاماً. يذكر كانوس بالاسم مرة أخرى: ففي الكتاب الثاني، الفصل التاسع، يقوّي كانوس شهادة قرطاج لأن المجمع الترولي أيدها؛ لكنه في الكتاب الخامس، الفصل السادس، يورد حججاً تضعف سلطة قوانين المجمع الترولي نفسه. يعترض ويتاكر على استعمال القوانين لتقوية الدليل في موضع، ثم إسقاط سلطتها في موضع آخر. فاعتراضه في هذا المثال يقوم على مقارنة بين استعمالين محددين عند الكاتب نفسه.

القوائم الكنسية لا تتفق دائماً

يضيف ويتاكر أن القائمة المنسوبة إلى جلاسيوس لا تطابق القائمة التي يريد خصومه إثباتها، إذ تذكر كتاباً واحداً للمكابيين وكتاباً واحداً لعزرا. وبذلك تستبعد المكابيين الثاني، لكنها في الوقت نفسه تترك نحميا الذي يعده الطرفان قانونياً. ويذكر أيضاً أن إيزيدور يقر بأن القانون العبري يضم اثنين وعشرين كتاباً، وسيؤجل ويتاكر مناقشة أهمية القانون العبري إلى الفصل التالي.

ومن هنا يطرح سؤالاً يسبق الاستناد إلى أي مجمع: هل تملك المجامع سلطة البت في الأسفار التي يجب قبولها بوصفها قانونية؟ ويقول إن هذه المسألة نفسها لم تكن محسومة بين الكتّاب الكاثوليك الذين يناقشهم. فإذا كانوا مختلفين في هذه السلطة نفسها، فعليهم أولاً أن يثبتوا أن للمجمع حق البت في المسألة، قبل أن يطالبوا الآخرين بقبول قائمته لمجرد صدورها عنه.

إذن، موضع البحث هنا هو حجية قرار المجمع: هل يكفي صدوره لإلزام الجميع بقبول الأسفار المذكورة فيه؟ ويرفض ويتاكر أن يُتخذ القرار وحده دليلاً قاطعاً على ذلك.

ماذا قصد أوغسطينوس بكلمة “قانوني”؟

بعد مناقشة سلطة المجامع ينتقل ويتاكر إلى معنى شهادتها. فهو يقر بأن مجمع قرطاج وجلاسيوس وإنوسنت وأوغسطينوس وإيزيدور أطلقوا اسم “القانونية” على الكتب موضع الخلاف. لكنه يسأل: هل قصدوا أن هذه الكتب مساوية في السلطان للأسفار المقبولة بلا نزاع؟

وقبل تفصيل كلام أوغسطينوس، يقدم حجة من استمرار الخلاف في الكنيسة. يقول: لو صدر حكم عام تلقته الكنيسة كلها، وحسم إدراج هذه الكتب في القانون بالمعنى الدقيق، لما استمر كتّاب لاحقون في مخالفة هذا الحكم، ولا سيما كتّاب تعترف بهم كنيسة روما ضمن أبنائها. لكنه يرى أن هذا الخلاف استمر عند عدد كبير منهم. ويستنتج من ذلك أن الحكم الجامع المقبول من الجميع، الذي يفترضه الاحتجاج، لم يكن قد تحقق. هذه حجته على غياب حكم عام متلقّى، وليست إنكاراً لوجود قوائم وقرارات كنسية تؤيد الكتب.

يستند جوابه بصورة خاصة إلى أوغسطينوس. ففي التعليم المسيحي ميّز أوغسطينوس بين الكتب التي تقبلها الكنائس كلها والكتب التي لا تقبلها إلا بعض الكنائس. ووضع للدارس قاعدة: يفضّل ما تقبله الكنائس كلها على ما يقبله بعضها، وفي الكتب المختلف عليها يفضّل ما تتلقاه الكنائس الأكثر والأرفع مكانة على ما تتلقاه كنائس أقل عدداً أو مكانة.

يرى ويتاكر أن هذه القاعدة لا معنى لها إذا كانت جميع الكتب المذكورة متساوية تماماً في السلطان. فلو كانت قانونيتها واحدة لا فرق فيها، لما احتاج أوغسطينوس إلى ترتيبها ولا إلى تفضيل طائفة منها على أخرى. لذلك يفسر استعماله لكلمة “قانوني” بمعنى أوسع من استعمال جيروم: جيروم يقصرها على الكتب التي تحمل سلطاناً ثابتاً لإثبات الإيمان، أما أوغسطينوس فيضم أحياناً كتباً تقرأها الكنيسة لبنيان الشعب مع أنها لا تتمتع بالدرجة نفسها من اليقين.

ينبغي هنا أن نميز بين نص أوغسطينوس والاستنتاج الذي يستخرجه ويتاكر منه. النص يوجّه القارئ إلى مراعاة تفاوت قبول الكنائس، ويذكر خصوصاً الكنائس ذات الصلة بالرسل، التي كانت لهم فيها كراسٍ أو تلقت منهم رسائل. أما ويتاكر فيستنتج من هذا التفضيل تفاوتاً في سلطان الكتب نفسها. وعلى هذا الاستنتاج يبني التوفيق بين أوغسطينوس وجيروم، فلا يقرأ استعمالهما المختلف لكلمة “قانوني” بوصفه خلافاً لا سبيل إلى الجمع بين طرفيه.

ويستشهد ويتاكر أيضاً بإقرار أوغسطينوس بأن الاحتجاج على المعترضين بما لا يوجد في قانون اليهود لا يتمتع بالقوة نفسها. كما يذكر أن أوغسطينوس نسب في وقت ما خمسة كتب إلى سليمان، ثم أقر بأن حكمة سليمان ويشوع بن سيراخ ليسا من تأليفه، ورجع عن نسبة كتاب الحكمة إلى يشوع بن سيراخ. وظيفة هذه الأمثلة عند ويتاكر هي إظهار أن أوغسطينوس نفسه لم يكن معصوماً في مسائل النسبة والتصنيف، وأن قائمته يجب أن تُقرأ في ضوء تمييزه بين درجات القبول.

ويتصل مثال الكتب الخمسة أيضاً بقائمة قرطاج ورسالة إنوسنت، اللتين تعدّان خمسة كتب لسليمان. ولا يغفل ويتاكر جواب أوغسطينوس بأن هذه الكتب يمكن أن تُنسب إلى سليمان لما بينها من تشابه. لكنه يميز بين هذا التفسير للاسم وبين القول إن سليمان هو مؤلفها فعلاً. ولذلك لا يجعل التشابه في الأسلوب دليلاً على صحة النسبة. والمثال هنا يكشف الحاجة إلى تفسير ألفاظ القائمة وفحصها، لا أن كل خطأ في نسبة مؤلف يكفي وحده لإسقاط قانونية الكتاب.

ويربط ذلك أيضاً باختلاف الشرق والغرب. فقد قال أوغسطينوس إن الكنيسة الغربية هي التي منحت هذه الكتب مكانة خاصة، بينما لم تمنحها الكنائس الشرقية السلطة نفسها. وهذا الاختلاف، بحسب ويتاكر، لا ينسجم مع القول إن الكنيسة الجامعة أصدرت حكماً واحداً واضحاً حُسمت به القضية في كل مكان.

شهادة كاجيتان من داخل المعسكر المقابل

يختم ويتاكر رده بشهادة الكردينال كاجيتان، ويمنحها وزناً خاصاً لأنها لا تصدر عن أحد المصلحين، بل عن عالم كاثوليكي بارز أُرسل لمواجهة لوثر. قال كاجيتان في ختام تفسيره للأسفار التاريخية إن يهوديت وطوبيا والمكابيين والحكمة ويشوع بن سيراخ تقع، بحسب حكم جيروم، خارج الكتب القانونية وفي عداد الكتب الأبوكريفية.

وأوضح كاجيتان، وفق النص الذي ينقله ويتاكر، أن القارئ لا ينبغي أن يضطرب إذا وجد هذه الكتب معدودة قانونية في بعض المجامع والآباء. فالمقصود أنها قانونية لبنيان المؤمنين وتهذيب السلوك، لا لتأسيس قضايا الإيمان. وبهذا التمييز فسّر كاجيتان كلام أوغسطينوس وقائمة مجمع قرطاج.

ويشدد ويتاكر على جانب آخر من شهادة كاجيتان: فهو لا يكتفي بالتمييز بين استعمالين للكلمة، بل يطلب أن تُفهم أقوال المجامع والآباء في ضوء حكم جيروم، وأن تُضبط به العبارات التي قد توهم غير ذلك. وبهذا تصبح شهادة كاجيتان جواباً مباشراً عن الاعتراض: لماذا لا تقبلون ما سمّاه قرطاج وأوغسطينوس قانونياً؟ الجواب، وفق هذا التفسير، هو أننا نقبل وجود هذه التسمية، لكننا لا نحملها على معنى قاعدة الإيمان حيث يكون المقصود القراءة لبنيان المؤمنين.

يتبنى ويتاكر هذا التمييز: توجد كتب قانونية بالمعنى الدقيق، لأنها قاعدة للإيمان والسلوك معاً، وكتب سُميت قانونية بمعنى أوسع لأنها نافعة للقراءة والبنيان الأخلاقي، لكنها لا تصلح وحدها لإثبات العقائد. ويستعير هنا تسميتي الأسفار الأولى القانونية والأسفار الثانية القانونية من كتّاب منهم سيكستوس السينائي وستابلتون، لكنه يفسرهما وفق حجته هو: الأولى من القانون بالمعنى الدقيق، والثانية يسميها أبوكريفية رغم إطلاق اسم القانونية عليها أحياناً. فلا ينبغي أن ننسب تفسير ويتاكر للتسميتين إلى كل من يستعملهما؛ فالخلاف في سلطان هذه الكتب هو القضية التي ما زال يناقشها.

لهذا يستعمل ويتاكر شهادة كاجيتان لا بوصفها السلطة النهائية في القضية، بل بوصفها دليلاً على أن تفسيره لأوغسطينوس وقرطاج لم يكن اختراعاً من المصلحين. فإذا كان عالم بارز من الكنيسة المقابلة قد فرّق بين قانون الإيمان وكتب البنيان، فلا يصح تقديم جميع الشهادات القديمة كأنها تعلن مساواة الكتب المختلف عليها بسائر الأسفار من كل وجه.

وكان لشهادة كاجيتان معارضون من جانبه أيضاً. ينقل ويتاكر أن كانوس اتهمه بالتأثر بآراء إراسموس الجديدة. فيرد بالتذكير بمكانة كاجيتان العلمية وبأن البابا أرسله إلى ألمانيا لمواجهة لوثر. وهو لا يريد أن تُقبل عبارته لمجرد رتبته الكنسية، بل يصر على أن شهادته مؤيدة بالحجة التي سبق عرضها. فمكانته تمنع تجاهله بوصفه صوتاً هامشياً، أما قوة التمييز الذي يقترحه فتظل موضع الاستدلال.

الخلاصة

لا ينتهي ويتاكر إلى أن شهادة الكنيسة والمجامع والآباء عديمة القيمة، بل إلى أن مجرد الاستشهاد بها لا يثبت أن الكتب المختلف عليها مساوية في السلطان لسائر الأسفار القانونية. وردّه يقوم على أربع نقاط مترابطة:

  • المجامع والآباء ليسوا معصومين، فلا يثبت سلطان كتاب إلهي بمجرد صدور حكم بشري فيه.
  • القوائم والقرارات المذكورة لا تتفق دائماً، ومن يستندون إليها يقبلون بعض أحكامها ويرفضون بعضاً آخر.
  • كلمة “قانوني” لم تُستعمل دائماً بالمعنى نفسه؛ فقد تشمل أحياناً كتباً نافعة للقراءة والبنيان من غير أن تكون قاعدة لإثبات الإيمان.
  • أوغسطينوس وكاجيتان نفسيهما يقدمان، في قراءة ويتاكر، أساساً للتمييز بين الكتب المقبولة بلا نزاع والكتب الأقل سلطاناً.

وخلاصة اعتراضه أن ورود سفر في قائمة كنسية لا يكفي وحده لإثبات تمتعه بسلطان سائر الأسفار القانونية. فلا بد من فحص سلطة الشهادة، ثم التحقق من المعنى الذي قصدته بكلمة “قانوني”.

لكن إسقاط حجة المجامع والآباء لا يثبت وحده أن الكتب المختلف عليها أبوكريفية. لذلك ينتقل ويتاكر في الفصل التالي من الرد إلى البناء: ما الصفات التاريخية والنبوية التي يجب أن تتوافر في أسفار العهد القديم؟ وما الحجج التي يراها دالة على أن هذه الكتب ليست من القانون العبري الذي تسلمته الكنيسة؟

Source: Whitaker, A Disputation on Holy Scripture, Question 1, chapter 4, pp. 39–49.

العودة إلى فهرس السلسلة