الفصل الخامس: كيف يدافع ويتاكر عن قانون العهد القديم؟
انتهى الفصل السابق إلى أن الاستشهاد بالمجامع والآباء لا يكفي، في نظر ويتاكر، لإثبات مساواة الكتب المختلف عليها بسائر الأسفار القانونية. لكن الاعتراض على دليل الخصم لا يعفيه من إقامة الدليل على موقفه. فبأي حق يستبعد طوبيا ويهوديت والحكمة ويشوع بن سيراخ والمكابيين من قانون العهد القديم؟ وما الذي يميز الأسفار التي يقبلها عن هذه الكتب؟
يقدم ويتاكر ثلاث حجج: الأسفار القانونية في العهد القديم كتب نبوية؛ وقد تلقتها جماعة إسرائيل التي استؤمنت على أقوال الله؛ أما الكتب المختلف عليها، فيرى أنها لا تستوفي هذين الشرطين، وأن فحص محتواها سيؤكد ذلك. ثم يضيف شهادات تاريخية يريد بها أن يبين أن موقفه ليس رأياً ظهر للمرة الأولى مع الإصلاح. وهكذا ينتقل من سؤال “هل يكفي قرار المجمع؟” إلى السؤال عن أصل الكتب وتلقيها والسلطان الذي نُسب إليها.
لماذا يربط ويتاكر القانون بالأنبياء
يصوغ ويتاكر حجته الأولى بوضوح: كل أسفار العهد القديم القانونية كتبها أنبياء؛ والكتب المختلف عليها لم يكتبها أنبياء؛ لذلك ليست من القانون. ولا يكتفي بإعلان النتيجة، بل يفحص طرفي الحجة: لماذا يقول إن كتب العهد القديم كلها نبوية، ثم لماذا ينفي هذه الصفة عن الكتب التي يناقشها؟
يبدأ من الطريقة التي يتحدث بها العهد الجديد عن الكتب السابقة له. فبطرس يسميها “الكلمة النبوية” ويتحدث عن “نبوة الكتاب” في بطرس الثانية ١: ١٩-٢٠، وبولس يشير إلى “كتب الأنبياء” في رومية ١٦: ٢٦. وفي لوقا ٢٤: ٢٧ يبدأ المسيح من موسى ومن جميع الأنبياء، ويفسر للتلميذين الأمور المختصة به في جميع الكتب. ثم يذكر في لوقا ٢٤: ٤٤-٤٥ ما كُتب عنه في ناموس موسى والأنبياء والمزامير، ويفتح أذهان التلاميذ ليفهموا الكتب.
يرى ويتاكر أن هذه التسميات تشير إلى مجموع أسفار العهد القديم، لا إلى الأسفار التي اعتاد القارئ وضعها تحت عنوان “الأنبياء” وحدها. فمرة يرد اسم الأنبياء، ومرة موسى والأنبياء، ومرة موسى والأنبياء والمزامير. وفي جميع هذه المواضع، بحسب قراءته، نحن أمام الكتب التي تكلم الله من خلالها إلى شعبه. ولذلك لا يقصد بكون السفر نبوياً أنه يحتوي تنبؤات عن المستقبل فحسب، بل أنه صدر عمن استخدمهم الله لإعلان كلمته.
ويضم إلى ذلك افتتاح الرسالة إلى العبرانيين، حيث كلم الله الآباء بالأنبياء، وقول أفسس ٢: ٢٠ إن الكنيسة مبنية على أساس الرسل والأنبياء. ويفسر هذا الأساس بأنه التعليم الذي أعلنه الأنبياء والرسل في الكتب. كما يستشهد بسؤال بولس لأغريباس عن إيمانه بالأنبياء، وباستدلاله من ناموس موسى والأنبياء أمام اليهود في روما. تتضافر هذه المواضع عنده لتثبيت المقدمة الأولى: أسفار العهد القديم القانونية ترجع إلى الشهادة النبوية التي أعطاها الله لشعبه.
ويستأنس أيضاً بعبارات لأوغسطينوس تصف القانون بأنه يضم كتباً معينة للأنبياء والرسل، وتحيل إلى الناموس والأنبياء والمزامير بوصفها السلطات القانونية للأسفار المقدسة. ليست هذه الشهادات هي التي تنشئ الصفة النبوية، بل يستعملها ويتاكر لتوضيح أن جمع أسفار العهد القديم تحت هذا الوصف له سابقة في تعبيرات الكنيسة أيضاً.
لماذا ينفي الصفة النبوية عن الكتب المختلف عليها
بعد إثبات المقدمة العامة، ينتقل ويتاكر إلى الكتب التي يناقشها. وأول ما يستند إليه هو زمن كتابتها. فهو يعتمد أن ملاخي كان آخر أنبياء اليهود، وأنه لم يقم نبي بينه وبين يوحنا المعمدان. ثم يقول إن معظم مؤلفي هذه الكتب عاشوا بعد ملاخي، ويذكر خصوصاً يشوع بن سيراخ وكتّاب المكابيين. وبحسب هذا التسلسل، تكون تلك الكتب قد ظهرت بعد زمن الأنبياء الذين تسلمت إسرائيل عنهم أسفارها المقدسة.
ويضيف قرينة تتعلق باللغة. يرى أن أنبياء إسرائيل، بوصفهم معلمي شعبهم، كانوا يكتبون بلغته التي يسميها “لغة النبوة”. أما معظم الكتب المختلف عليها فيقول إنها كُتبت باليونانية، لا بالعبرية. فيجعل هذا الاختلاف دليلاً آخر على أنها لم تخرج من الدائرة النبوية نفسها. وحجته هنا تتعلق باللغة التي أُلّفت بها الكتب أولاً، لا بمجرد وجودها لاحقاً في ترجمة إلى لغة أخرى. ولا يضع جميع الكتب في حكم واحد في هذا الموضع، بل يؤجل فحص الكتب الباقية إلى مواضعها.
ثم يسأل عن شهادة المسيح والرسل لهذه الكتب. يقول إنهم استشهدوا بالناموس والأنبياء، لكنهم لم يستعملوا الكتب المختلف عليها شهوداً على النحو نفسه. ويستحضر قول أوغسطينوس عن المكابيين إن اليهود لا يعدونها كالناموس والأنبياء والمزامير التي يشهد لها الرب بوصفها شاهدة له. فويتاكر لا يبحث عن مجرد تشابه بين عبارتين، بل عن استعمال كتاب بوصفه شاهداً نبوياً يحمل سلطاناً إلهياً.
يربط ويتاكر هذه القرينة بأمر المسيح “فتشوا الكتب”، وباستشهاده المتكرر بالأسفار التي تشهد له. ويستشهد بجيروم الذي يدعو إلى الرجوع إلى النص العبري الذي يتكلم منه الرب ويأخذ منه تلاميذه أمثلتهم. وبذلك تتكون حجته من مجموعة اعتبارات متصلة: زمن التأليف، ولغته، وشهادة المسيح والرسل. وهو يقدمها لإثبات أن الكتب المختلف عليها لا تنتمي، في حكمه، إلى المؤلفات النبوية التي يتكون منها العهد القديم.
إسرائيل التي استؤمنت على أقوال الله
الحجة الثانية تتعلق بتلقي الكتب وحفظها. يصوغها ويتاكر هكذا: جماعة إسرائيل القديمة تلقت جميع أسفار العهد القديم القانونية وأقرتها؛ لكنها لم تتلق هذه الكتب ضمن قانونها؛ لذلك ليست هذه الكتب قانونية. والسؤال الذي يحتاج إلى جواب هنا هو: لماذا يكون لتلقي إسرائيل هذه الأهمية؟
يستند أولاً إلى رومية ٣: ٢، حيث يقول بولس إن اليهود استؤمنوا على أقوال الله. يفهم ويتاكر هذه الأمانة على أنها تشمل تسلم الكتب المقدسة وحفظها. فالأسفار لم تُترك، بحسب حجته، من دون جماعة تعرفها وتصونها؛ بل أودعها الله لدى شعبه. ومن هنا يرى أن البحث عن قانون العهد القديم يجب أن يرجع إلى الكتب التي حُفظت في هذه الأمانة، لا أن يفترض وجود مجموعة كبيرة من الوحي بقيت خارجها.
ويقدم استدلالاً من موقف المسيح والرسل. لقد وبخوا اليهود على إساءة تفسير الكتاب، وعلى أقوال وممارسات تخالفه. فلو كانوا قد أسقطوا جزءاً كبيراً من الوحي نفسه، أفلا يستحق ذلك توبيخاً أشد؟ يرى ويتاكر أن حذف أسفار مقدسة أخطر من الخطأ في تفسير بعض مواضعها. لكنه لا يجد اتهاماً لهم ببتر قانون الكتب. فيستنتج أنهم حفظوا الأسفار التي ائتمنهم الله عليها، حتى حين أخطأوا في فهمها أو العمل بها.
لا تعني حجته أن كل رأي ديني عند اليهود صحيح، بل إنها تميز بين حفظ الكتب وتفسيرها. فانتقاد تفسيرهم لا يساوي اتهامهم بإضاعة قسم من النصوص المقدسة. وهذا التمييز ضروري لفهم استدلاله: إنه يستشهد بأمانتهم في نقل الأسفار، ولا يجعلهم المرجع الذي يحسم معنى كل ما ورد فيها.
ثم يواجه خصومه بنتيجة أخرى. يقول إن جماعة إسرائيل كانت قبل المسيح الكنيسة التي تسلمت كتب العهد القديم. فإذا قيل إنها رفضت كتباً قانونية، لزم أن بعض الوحي لم تتلقه الكنيسة في ذلك الزمن، وأن الكنيسة نفسها أخطأت خطأ جسيماً في تعيين كتب الله. وهذا، بحسب ويتاكر، يصطدم بما يريد خصومه إثباته من أن الكنيسة لا تخطئ. فكيف يحتجون بهذه العصمة، ثم يفترضون أن جماعة العهد القديم أخطأت بعدم قبول قسم كبير من الوحي؟
أما المقدمة الثانية، وهي أن هذه الكتب ليست في القانون العبري، فيعدها ويتاكر أمراً يقر به الآباء وخصومه أنفسهم. وبذلك يكون الخلاف عنده في النتيجة التي تترتب على هذا الأمر: هل يجوز للكنيسة أن تعد من وحي العهد القديم كتباً لم تتلقها الجماعة التي استؤمنت عليه؟
الاعتراض بأن الرسل أقروا هذه الكتب
ينقل ويتاكر عن بيلارمين أن الكنيسة الرسولية تشهد للكتب المختلف عليها، وأن الرسل أعلنوها قانونية. ولو ثبت هذا القول، لكان جواباً مهماً عن الاحتجاج بالقانون العبري. لكن ويتاكر يطلب الدليل عليه: أين أقر الرسل هذه الكتب، وأين استعملوها بوصفها ذات سلطان؟ وهو لا يرى أن مجرد تأكيد وجود موافقة رسولية يغني عن إظهارها.
ويذكر خلافاً داخل الجانب المقابل نفسه. فقد قال كاجيتان إن الكتاب المقدس الإلهي هو ما كتبه الرسل أو أقروه، فاعترض عليه كاثارينوس وقال إن الكنيسة تتلقى كتباً قانونية لم يكتبها الرسل ولم يقروها. يستعمل ويتاكر هذا الخلاف ليبيّن أن الاحتجاج بإقرار الرسل ليس أمراً متفقاً عليه حتى بين من يدافعون عن القائمة الأوسع. ويظل مطلبه أن تُثبت الموافقة الرسولية، لا أن تُفترض لتفسير القرار الكنسي اللاحق.
وهناك جواب آخر لملكيور كانوس: اليهود لم يتلقوا هذه الكتب، لكن عدم التلقي لا يعني الرفض. يرفض ويتاكر هذا التفريق في سياق الحديث عن كلمة الله. فمن لم يقبل الكتاب بوصفه من أقوال الله، فقد أبقاه خارج الكتب التي يعترف بسلطانها. ويستعين بقول المسيح إن من ليس معه فهو عليه، ليؤكد أن عدم قبول كلمة الله ليس موقفاً محايداً تجاه سلطانها. كما يعود إلى مسألة اللغة، ويتساءل كيف يمكن اعتبار الجماعة متلقية كتباً كُتبت بلغة أجنبية عنها.
فحص محتوى الكتب حجة سيأتي تفصيلها
بعد الحجتين السابقتين، يعلن ويتاكر حجة ثالثة: توجد في الكتب نفسها أمور تدل، بحسب حكمه، على أنها ليست قانونية. ويصف هذا النوع من الدليل بأنه قوي، لأنه نابع من طبيعة الكتب ومحتواها. لكنه لا يقدم الأمثلة في هذا الموضع؛ فقد اختار أن يفحص كل كتاب على حدة في الفصول التالية.
إذن، ينبغي ألا نحسب هذا الإعلان برهاناً مكتملًا قبل عرض شواهده. ما أنجزه ويتاكر حتى الآن هو بناء موقفه من الأصل النبوي وتلقي إسرائيل، ثم بيان أن اختبار المحتوى سيأتي مكملاً لهما. وهذا يفسر الانتقال اللاحق إلى باروخ وإضافات الأسفار ثم الكتب الكاملة: هناك سيحاول أن يثبت بالتفصيل ما قرره هنا إجمالاً.
لماذا يعود إلى المجامع والآباء
قد يبدو رجوع ويتاكر إلى الشهادات الكنسية غريباً بعد اعتراضه على جعل المجامع والآباء حكماً نهائياً. لكنه يصرح بمرتبة هذا الدليل: إنه دليل بشري، يستعمله خصوصاً في مواجهة من يحتجون بالشهادات البشرية في هذه القضية. فلا يمنح قوائم الآباء عصمة نفاها عن قوائم خصومه، بل يريد أن يبين أن الشهادات التاريخية التي استُدعيت ضده تتضمن ما يؤيد موقفه أيضاً.
ولهذه الشهادات وظيفة أخرى: الرد على القول إن الكنيسة حسمت القائمة الأوسع حكماً عاماً، وإن مخالفتها بعد ذلك خروج عن حكم مستقر. لذلك يهتم ويتاكر بما قاله الكتّاب قبل المجامع المحتج بها وبعدها. فاستمرار التمييز بين الكتب القانونية وكتب القراءة الكنسية سيكون عنده دليلاً على أن الحسم المزعوم لم يُتلقَّ بالطريقة التي يصورها خصومه.
مجمع اللاذقية والقوائم غير المتطابقة
يبدأ ويتاكر بمجمع اللاذقية، الذي يمنع قراءة الكتب غير القانونية في الكنيسة ويجيز قراءة أسفار العهدين القانونية. ويلاحظ أن قائمته لا تضم طوبيا ويهوديت والحكمة ويشوع بن سيراخ والمكابيين. لكنه لا يخفي أنها تخالف قائمته في مواضع أخرى: فقد أُدرج باروخ مع إرميا، وغابت الرؤيا عن قائمة العهد الجديد. ويرى في ذلك أخطاء، ويذكر أن الشك في سفر الرؤيا استمر زمناً عند بعض أهل الكنيسة.
هذا الإقرار يحدد طريقة استعماله للمجمع. فهو لا يطالب بقبول كل ما في قائمته، بل يستشهد بها على أن الكتب الستة لم تكن معدودة قانونية عند أولئك الآباء. أما وجود باروخ فيشرح أنه ربما عُد جزءاً من إرميا، ويذكر أيضاً احتمال خلل نصي في العبارة التي تتحدث عن رسائل إرميا. فلا ينبغي أن تتحول شهادته الجزئية إلى دعوى بأن القائمة تطابق القانون الذي يدافع عنه في كل تفصيل.
يجيب خصومه بأن القانون لم يكن قد حُسم يومئذ؛ ولذلك أمكن لآباء مجمع اللاذقية أن يتركوا هذه الكتب، لكن لا يحق للمصلحين أن يفعلوا مثلهم بعد قرار الكنيسة. يعترض ويتاكر: هل بقيت الكنيسة قروناً بعد المسيح لا تعرف قانون العهد القديم؟ وهو يرى أن كلام الآباء أنفسهم، حين يحددون الكتب ويعلمونها للناس، يناقض تصوير الأمر كأنه بقي مجهولاً حتى قرطاج. ويكرر أن قرطاج مجمع إقليمي، فلا يكفي وحده لفرض قائمته على الكنيسة كلها.
فإذا قيل إن المجمع الترولي هو الذي منح قرار قرطاج هذه القوة، يلفت ويتاكر إلى أنه أقر مجمع اللاذقية أيضاً في القانون نفسه. ويقول: إن صحت نسبة هذا القانون إلى المجمع الترولي، فإما أن قرطاج واللاذقية لا يتناقضان، لأن أحدهما يستخدم كلمة “قانوني” بمعنى أوسع يشمل كتب القراءة والبنيان؛ وإما أن حكميهما متعارضان، فيكون المجمع الترولي قد أخطأ حين أيد كليهما. فلا يصح أن يُتخذ تأييده لقرطاج حاسماً من دون تفسير تأييده للاذقية.
وبهذا يضيف الفصل الحالي عنصراً جديداً إلى مناقشة المجمع الترولي التي سبقت. لم يعد السؤال عن القوانين الرسولية وحدها، بل عن قائمتين كنسيتين أُقرتا معاً. فالاستشهاد باسم المجمع لا يغني عن قراءة ما أقره فعلاً، ولا يحل التفاوت بين القوائم التي أقرها.
لماذا حصر الآباء أسفار العهد القديم في اثنين وعشرين كتاباً
ينتقل ويتاكر بعد ذلك إلى مجموعة من الآباء يذكرون اثنين وعشرين كتاباً للعهد القديم، بعدد حروف الأبجدية العبرية. يورد أوريجانوس، ثم هيلاري أسقف بواتييه، وغريغوريوس النزينزي، وكيرلس الأورشليمي، وغيرهم. ويرى أن القائمة المحددة بهذا العدد لا تترك مكاناً لإضافة الكتب المختلف عليها إلى هذا المجموع.
ولا ينبغي أن نقرأ هذا العدد بمعزل عن طريقة جمع الأسفار وعدّها. فويتاكر ينقل عن إبيفانيوس أنه يتحدث مرة عن سبعة وعشرين كتاباً، ثم يرد العدد إلى اثنين وعشرين، لأن بعض الكتب تُعد مجتمعة بدلاً من عدّ كل واحد على حدة. فاختلاف العدد هنا لا يعني بالضرورة اختلاف المحتوى، كما أن الاتفاق على العدد لا يعفي من فحص أسماء الكتب الداخلة فيه. والحجة تعتمد على الكتب التي تشملها القائمة، لا على العدد منفصلاً عنها.
ويعترف ويتاكر باختلافات عند الشهود الذين يستدعيهم. فهو يفهم قائمة مليتون السرديسي على أنها تضيف كتاب الحكمة،[١] ويرفض تفسير من جعل هذه التسمية اسماً آخر للأمثال. ومع ذلك يرى أن خطأه في كتاب واحد لا يبطل شهادته لبقية القائمة، ويقر بأن كتاب الحكمة حظي باحترام خاص وبقراءة كنسية واسعة. كذلك يلاحظ غياب اسم أستير عن بعض القوائم، ويقترح تفسيرات لذلك، منها عده ضمن كتاب آخر أو تأثر الحكم عليه بالإضافات الملحقة به. ويعترف بإدراج كيرلس باروخ مع إرميا، وإن كان يعترض على هذا الإدراج.
هذه التفاصيل تمنعنا من اختزال عرضه في عبارة “أجمع الآباء على قائمة واحدة”. ويتاكر نفسه يذكر موافقات واختلافات، ثم يرى أن الاتجاه العام لهذه الشهادات يؤيد التمييز الذي يدافع عنه. فهو يحتج بتعدد الشهود واستمرار هذا التمييز في أقوالهم، مع احتفاظه بحق نقد المواضع التي لا يوافقهم فيها.
كتب تُقرأ ولا تُتخذ أساساً لإثبات العقيدة
أوضح الشهادات عند ويتاكر ليست مجرد أعداد وقوائم، بل نصوص تميز صراحة بين أنواع الكتب. ففي كتاب “الخلاصة” الذي ينسبه إلى أثناسيوس،[٢] تُحصر الأسفار القانونية في عدد معلوم، ثم تُذكر كتب أخرى غير قانونية تُقرأ للموعوظين، أي للذين يتلقون التعليم المسيحي استعداداً للانضمام إلى الكنيسة. ومن هذه الكتب الحكمة ويشوع بن سيراخ ويهوديت وطوبيا. ويرى ويتاكر أن الجمع بين وصف الكتاب بأنه غير قانوني والسماح بقراءته يثبت أن الاستعمال الكنسي لا يساوي بالضرورة سلطان القانون.
وينقل عن إبيفانيوس وصف الحكمة ويشوع بن سيراخ بأنهما كتابان نافعان، لكنهما غير داخلين في القانون. وتظهر الفكرة بألفاظ أشد وضوحاً عند روفينوس في شرحه لقانون إيمان الرسل. فهو يعدد الكتب التي يُعتقد أن الروح القدس أوحى بها، ثم يميز عنها كتباً سماها القدماء “كنسية” لا “قانونية”، منها الحكمة ويشوع بن سيراخ وطوبيا ويهوديت والمكابيون. هذه تُقرأ في الكنائس، لكنها لا تُستعمل لإثبات عقائد الإيمان.
ويرى ويتاكر أن هذا التمييز يجيب مباشرة عن الاحتجاج بالقراءة العامة. فالكتاب قد ينفع في التعليم وتهذيب السلوك، من غير أن يكون مرجعاً تُثبت منه عقيدة ملزمة. ويذكر أن باميليوس امتدح شرح روفينوس، لكنه اعترض على هذا الموضع بعينه. أما ويتاكر فيدافع عنه لأنه يراه موافقاً لشهادات قديمة كثيرة، ويؤكد أن الشرح من تأليف روفينوس، وإن كان قد نُسب إلى كبريانوس.
ثم يأتي جيروم، وهو عند ويتاكر أوضح الشهود في استبعاد هذه الكتب من القانون. ففي مقدمته المعروفة باسم “المقدمة المدرعة” يحدد كتب العهد القديم، ثم يضع ما خرج عن هذه القائمة بين الأبوكريفا، ويذكر الحكمة ويشوع بن سيراخ ويهوديت وطوبيا. ولا يقتصر الأمر على هذه المقدمة؛ ففي مقدمة أسفار سليمان يقرر، بحسب النص الذي ينقله ويتاكر، أن الكنيسة تقرأ يهوديت وطوبيا والمكابيين من دون أن تتلقاها بين الأسفار القانونية. وعلى المثال نفسه تقرأ الحكمة ويشوع بن سيراخ لبنيان الشعب، لا لإثبات عقائد الإيمان.
ويضيف شهادة غريغوريوس الكبير، الذي يستشهد بالمكابيين في تفسيره لأيوب، ويصف كتابي المكابيين بأنهما غير قانونيين، وإن كانا موضوعين لبنيان الكنيسة. ويستنتج ويتاكر أنه كان ينظر بالطريقة نفسها إلى بقية الكتب المختلف عليها. لكن الشهادة الصريحة التي يقدمها هنا تتعلق بالمكابيين؛ أما تعميمها على غيرها فهو استنتاج ويتاكر. وهذا المثال يوضح مرة أخرى أن الاستشهاد بكتاب لا يعني، في ذاته، وضعه في مرتبة الأسفار القانونية.
يوسيفوس وانقطاع تعاقب الأنبياء
تجمع شهادة يوسيفوس بين مسألة عدد الكتب ومسألة أصلها النبوي. ينقل ويتاكر من كتابه “ضد أبيون”، بواسطة أوسابيوس، أن اليهود لم تكن لديهم كتب لا حصر لها متعارضة فيما بينها، بل اثنان وعشرون كتاباً تتمتع بثقة خاصة. خمسة منها لموسى، وتشمل الشرائع وتاريخ البشر حتى موته. وثلاثة عشر كتاباً سجل فيها الأنبياء اللاحقون أحداث أزمنتهم حتى حكم أرتحشستا، وأربعة تضم تسابيح لله وإرشادات للحياة.
ولا يقول يوسيفوس، في النص المنقول، إن الكتابة التاريخية توقفت بعد ذلك. بل يقر بأن الأحداث اللاحقة سُجلت أيضاً، لكنه يميز هذه الكتابات عن السابقة في مقدار الثقة، لأن تعاقب الأنبياء لم يستمر بالدقة نفسها. وهذه هي النقطة التي يعتمد عليها ويتاكر: وجود كتاب قديم يروي تاريخ الشعب لا يجعله تلقائياً في منزلة الكتب النبوية. فقد يستمر التأليف والتسجيل، بينما لا تُنسب إلى الكتب اللاحقة السلطة نفسها.
يرى ويتاكر أن هذه الشهادة تكشف موقف جماعة إسرائيل من الكتب، وأنها تنسجم مع شهادات الآباء الذين ميزوا بين القانون وكتب القراءة. فهي تدعم عنده حجتيه معاً: الأسفار التي تسلمتها الجماعة ارتبطت بالأنبياء، والكتابات اللاحقة لم تتلق المكانة نفسها. ولا يستعمل يوسيفوس بوصفه مصدراً للوحي، بل شاهداً على التمييز التاريخي الذي يحاول إثباته.
هل تتحدث هذه الشهادات عن قانون اليهود وحدهم
يعرض ويتاكر اعتراضاً يراد به إبطال دلالة هذه النصوص على موقف الكنيسة: لعل الآباء وصفوا القانون اليهودي فحسب، ولم يقصدوا حصر القانون المسيحي فيه. فإذا صح هذا، أمكن الاعتراف بدقة وصفهم لكتب اليهود، مع القول إن الكنيسة تتلقى كتباً أخرى إلى جانبها.
يرد ويتاكر بالرجوع إلى سياق الشهادات. فمجمع اللاذقية يتكلم عن الكتب التي تُقرأ في الكنائس، ومليتون بحث في الأسفار ليعرف ما ينبغي له هو أن يتلقاه. والكتب التي يذكر النص المنسوب إلى أثناسيوس أنها تُقرأ للموعوظين تُستعمل في تعليم مسيحي، لا في تعليم يهودي. وروفينوس ينقل تمييز القدماء المسيحيين بين القانوني والكنسي. لذلك يرى أن تحويل هذه النصوص كلها إلى وصف خارجي لقانون اليهود يتجاهل الغرض الذي قيلت من أجله.
وشهادة جيروم أوضح عنده: فهو يتحدث صراحة عن الكنيسة التي تقرأ بعض الكتب ولا تتلقاها ضمن الأسفار القانونية، ويجعل غاية قراءتها بنيان الشعب، لا إثبات العقائد. ويرى ويتاكر أن جيروم لا يصف هنا ممارسة اليهود، بل ممارسة الكنيسة المسيحية. ومن ثم يرفض افتراض قانونين مختلفين للعهد القديم لتجاوز هذه الشهادات، ما دامت، في قراءته، تقدم الكتب العبرية نفسها قانوناً تتلقاه الكنيسة.
ويلاحظ أيضاً أن كيرلس يذهب إلى منع قراءة الكتب التي يسميها أبوكريفية، ويرى أن هذا التشدد قد يكون زائداً، لأن غيره من الآباء يجيزون قراءتها. ولا يعني استشهاده بكيرلس أنه يتبنى كل ما قاله. ما يهم حجته هو أن الكلام موجه إلى المسيحيين، وأن التمييز بين القانوني وغير القانوني واقع داخل تعليم الكنيسة نفسها.
متى حُسم القانون في رأي الخصوم
الاعتراض الثاني يقول إن أولئك الآباء تكلموا قبل الحسم الكنسي، ولذلك يُعذرون، أما من جاء بعده فلا يملك الحرية نفسها.
يطلب ويتاكر هنا تحديد الزمن والقرار: متى حُسم الأمر تحديداً؟ فإن قيل فلورنسا أو ترنت، فهما متأخران جداً. وإن قيل قرطاج، عاد السؤال عن سلطة مجمع إقليمي. وإن قيل المجمع الترولي، عاد الخلاف في سلطة قوانينه، وفي تأييده اللاذقية وقرطاج معاً.
ولا يكتفي ويتاكر بأن يرى الجواب التاريخي غير محدد. فهو يسأل أيضاً عما يلزم عنه: هل كان قانون العهد القديم مجهولاً أو غير معتمد طوال القرون السابقة؟ وإذا لم تكن الكتب المختلف عليها قد قُبلت في القانون طوال تلك المدة، أفلا يحتاج الادعاء بقانونيتها إلى تفسير هذا الغياب؟ لذلك يرفض أن تكون عبارة “حسمت الكنيسة لاحقاً” جواباً كافياً من دون تسمية حكم عام واضح وإثبات أن الكنيسة تلقته بهذه الدلالة.
ولإكمال الرد، ينتقل إلى كتّاب لاحقين للمجمع الترولي. فلو كان تأييده لقرطاج قد أنهى الخلاف وألزم الجميع بالقائمة الأوسع، لظهر أثر ذلك في تعليمهم. أما استمرارهم في التمييز بين القانون وكتب القراءة والبنيان، فيراه ويتاكر دليلاً ضد دعوى أن المجمع حسم القضية حكماً عاماً مستقراً.
استمرار التمييز في الشهادات اللاحقة
يستشهد ويتاكر بيوحنا الدمشقي الذي يحدد كتب العهد القديم باثنين وعشرين، ويمدح الحكمة ويشوع بن سيراخ مع إبقائهما خارج القانون. ولهذه الشهادة أهمية زمنية في حجته، لأن الدمشقي جاء بعد المجمع الترولي. ويذكر أيضاً ليونتيوس الذي يعدد كتب العهدين ثم يصفها بأنها الكتب التي تعدها الكنيسة قانونية. فالعبارة تتحدث عن قانون كنسي، لا عن مجرد قائمة يهودية ينقلها مؤرخ.
ومن الكتّاب اللاحقين يستشهد بهيو وريتشارد من سان فيكتور. فهيو يميز الكتب المقروءة عن الكتب المدرجة في القانون ذي السلطان، ويذكر طوبيا ويهوديت والمكابيين والحكمة ويشوع بن سيراخ بين الأولى. وريتشارد يكرر أن هناك كتباً تُقرأ لكنها غير مكتوبة في القانون. لا يحتاج ويتاكر إلى أن يكون كل شاهد قد صاغ نظرية كاملة في الوحي؛ فالتصريح بوجود كتب كنسية مقروءة خارج القانون هو موضع استشهاد ويتاكر بهذه النصوص.
ويورد إلى جانبهما أسماء أخرى، منها رابانوس ماوروس ونيقولاوس الليري والكردينال هيو. والأخير يشرح أن الكنيسة تتلقى هذه الكتب لتعليم السلوك، لا لإثبات الإيمان. ثم يعود ويتاكر إلى كاجيتان، الذي سبق أن فصّل شهادته، ويستشهد بأرياس مونتانوس، الذي قرر بعد مجمع ترنت أن الكنيسة تتبع القانون العبري وتعد كتب العهد القديم المؤلفة باليونانية أبوكريفية. وغرض هذا الامتداد الزمني أن يبين أن التمييز لم يختف بمجرد انعقاد المجامع التي يحتج بها خصومه.
وفي خاتمة هذا الاستعراض يجمع ويتاكر النتيجة: لو كانت قانونية هذه الكتب قد ثبتت بقرار كنسي عام ذي سلطة مشروعة، لكان هؤلاء المؤلفون الكثيرون قد عرفوه، ولما استمروا في مخالفة مضمونه، خصوصاً أنهم أرادوا أن يُعدوا من أبناء الكنيسة الملتزمين بتعليمها. لكنه يجدهم يصفون الكتب بأنها غير قانونية أو يميزون قراءتها عن إثبات الإيمان بها. فيستنتج أن الدعوى بوجود حكم جامع متلقّى لا تفسر هذه الشهادات.
الخلاصة
يقيم ويتاكر دفاعه على الأصل النبوي للأسفار وتلقي إسرائيل لها، ثم يستعين بالشهادات التاريخية ليؤيد التمييز بين كتب القانون وكتب القراءة والبنيان. وقد عرض اعتراضات خصومه: إقرار الرسل، والفرق بين عدم التلقي والرفض، والقول إن الشهادات تخص اليهود، أو أنها صدرت قبل حكم كنسي لاحق. وجوابه المتكرر هو طلب الدليل المحدد، وفحص ألفاظ الشهادة وسياقها، وتتبع استمرار الخلاف بعد المجامع المحتج بها.
هذه الحجج ترسم موقفه العام، لكنها لا تغني عن الاختبار الذي وعد به: فحص كل كتاب وأدلته الخاصة. ومن هنا ننتقل إلى باروخ والمواد الملحقة بالأسفار المقبولة. فالسؤال التالي ليس عن قائمة عامة فحسب، بل عن الأسباب التي دعت إلى ضم هذه النصوص، والاعتراضات التي يقدمها ويتاكر على نسبتها وسلطانها.
الهوامش
[١] تنبيه محرر الترجمة الإنجليزية: يرجح وليم فيتزجيرالد أن تسمية “الحكمة” في قائمة مليتون اسم آخر لسفر الأمثال، ويخالف قراءة ويتاكر التي تعدها كتاباً مستقلاً. المصدر: الكتاب نفسه، ص 56، حاشية 2. ↩
[٢] ينبه وليم فيتزجيرالد، محرر الترجمة الإنجليزية، إلى أن كتاب “الخلاصة” لمؤلف غير معروف، وأن نسبته إلى أثناسيوس غير صحيحة. نُقل الاستدلال هنا بوصفه استدلال ويتاكر بالنص الذي اعتمده. المصدر: الكتاب نفسه، ص 57، حاشية 2. ↩
Source: Whitaker, A Disputation on Holy Scripture, Question 1, chapters 5–6, pp. 49–66.