الفصل الثالث: حين يُقتطع من القانون: رفض الأسفار والمساس بسلطان الوحي
حدّد ويتاكر في الفصل السابق موضع الخلاف حول الأسفار القانونية: يقبل الطرفان القسم الأكبر من الكتاب المقدس، لكنهما يختلفان في كتب وأجزاء معينة. وقبل أن يبدأ مناقشة الكتب التي أضافها مجمع ترنت إلى القانون، يتوقف عند الاتجاه المقابل: أناس لم يوسّعوا القانون، بل أنقصوا منه، فرفضوا عهداً كاملاً أو أسفاراً بعينها أو أجزاء من أسفار مقبولة.
ليس هذا التوقف مجرد استطراد تاريخي. يريد ويتاكر أن يبيّن أن الخطأ في تحديد حدود القانون يقع من جهتين: أن يُمنح سلطان الوحي لكتاب لا يستحقه، أو أن يُنزع هذا السلطان عن كتاب ينتمي إلى الوحي. وفي الحالتين لا تبقى القضية خلافاً حول ترتيب الكتب، بل تصبح سؤالاً عن حق الإنسان في قبول ما يشاء من كلام الله ورفض ما يشاء.
لماذا يبدأ بمن حذفوا من القانون؟
يصف ويتاكر في الفصل الثالث عدداً من الجماعات والأشخاص الذين اتهمهم برفض أجزاء ثابتة من الكتاب المقدس. ولا يدّعي أنه يقدم قائمة كاملة، بل يختار أشهر النماذج التي وجدها في إيريناوس وترتليان وإبيفانيوس وأوغسطينوس وغيرهم. ولا يحتاج القارئ إلى حفظ هذه الأسماء كلها؛ فالمهم هو ملاحظة صور الرفض المختلفة التي تمثلها.
ينبغي أن نقرأ هذه الأسماء بوصفها جزءاً من عرض ويتاكر نفسه. فهو لا يكتب تاريخاً محايداً لتشكّل القانون، بل يجمع أمثلة تدلّ على خطر إخضاع الكتاب لمعتقد سابق: حين يُخالف السفر العقيدة التي تبناها القارئ، لا يراجع القارئ عقيدته، بل يحذف السفر أو ينكر سلطانه.
والتدرج في الفصل مقصود. يبدأ بمن رفضوا العهد القديم كله أو معظمه، ثم ينتقل إلى من رفضوا أسفاراً محددة من العهدين، وبعد ذلك إلى من ازدروا الكتاب كله بحجة أن الروح يعلّم الإنسان مباشرةً في داخله. ويختم بمن أبقوا الأسفار، لكنهم أجازوا وقوع كتّابها في الخطأ. وهكذا ينتقل من حذف بعض الكتب إلى إضعاف سلطان الكتاب نفسه.
رفض العهد القديم أو أجزاء منه
يفتتح ويتاكر عرضه بالصدوقيين، الذين يقول إنهم لم يقبلوا سوى أسفار موسى الخمسة. ويربط ذلك باستدلال المسيح عليهم من كتب موسى عندما أنكروا القيامة، كما ورد في متى ٢٢. ثم يذكر سيمون الساحر، الذي رفض الاعتداد بالأنبياء، والمانويين الذين رفضوا العهد القديم كله لأنهم نسبوه إلى إله شرير في تصورهم القائم على وجود إلهين متضادين.
ويضع في الاتجاه نفسه مرقيون وجماعات قديمة أخرى اختلفت تفاصيل مواقفها. فالقاسم المشترك بينها، بحسب عرضه، هو رفض إله العهد القديم أو الناموس والأنبياء، ومن ثم إسقاط سلطان الكتب التي تشهد لهما. ويرد ويتاكر على هذا الاتجاه بقول المسيح: “ما جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء، بل لأكمل”، إذ يرى أن المسيح يُثَبِّت ما حاول هؤلاء هدمه.
ثم ينتقل إلى نموذج أضيق من الحذف. فيذكر أتباع بطليموس الذين رفضوا كتب موسى، والنيقولاويين والغنوصيين الذين أخرجوا المزامير من القانون. ويقول إن بعض الجماعات المعاصرة له، المعروفة باسم “مجددي المعمودية”، أعادت تبني هذا الموقف. ولا يُفَصِّل ويتاكر الرد على كل جماعة، بل يكتفي بالقول إن شهادة العهد الجديد الواضحة لهذه الأسفار لا تسمح برفضها.
أسفار سليمان
يتوقف ويتاكر بتفصيل أكبر عند سفري الجامعة ونشيد الأنشاد، لأن الاعتراض عليهما نشأ من قراءة محتواهما. فقد رأى بعضهم أن الجامعة يدعو إلى حياة اللذة، وأن نشيد الأنشاد لا يزيد على حديث عاطفي بين سليمان وابنة فرعون. وبناءً على هذه القراءة رأوا أن السفرين لا يستحقان أن يكونا ضمن الأسفار القانونية.
يرفض ويتاكر قراءة سفر الجامعة على أنه دعوة إلى التمتع بلذات العالم. فالسفر، بحسب تفسيره، يقدم صورة مخالفة بشكل كامل: إذ يبدأ بإعلان بطلان ما يطلبه الناس في العالم، ويصف هذه الأشياء بأنها زائلة وخادعة، ثم ينتهي إلى أن سعادة الإنسان لا تقوم فيها، بل في مخافة الله وحفظ وصاياه. لذلك لا يسمع ويتاكر في الجامعة صوت فيلسوف يدعو إلى اللذة، بل صوت نبي يرد الإنسان عن التعلق بما لا يدوم.
أما نشيد الأنشاد، فيرى أن أوصافه لا تستقيم إذا حُملت على مديح زوجة أرضية فحسب. فالتشبيهات التي تقارن الرأس بالكرمل، والعينين بالبرك، والأنف بالبرج، والأسنان بقطيع الغنم، لا يقصد بها رسم صورة حرفية لابنة فرعون. إذ يقول إنها لغة رمزية تتحدث عن كنيسة المسيح بوصفها عروساً، وعن اتحادها بالمسيح في الإيمان والمحبة. ولا يتعامل ويتاكر مع عدم ورود الأسماء المعروفة لله في النشيد بوصفها دليلاً على عدم قانونيته. فالسفر يستخدم أوصافاً تناسب طبيعته مثل الراعي والأخ والصديق والحبيب والعريس، والمقصود بها عنده هو المسيح. ولهذا يرفض الرأي المنسوب إلى كاستاليو، إن صحّت نسبته إليه، بأن السفر مجرد حوار بين سليمان والمرأة الشولمية المذكورة فيه.
سفر أيوب
ينسب ويتاكر إلى بعض معاصريه رفض سفر أيوب والسخرية منه، كما يذكر رأياً لدى بعض الحاخامات يقول إن قصته مَثَل مُتَخيَّل وإن أيوب لم يكن شخصية تاريخية. ويرد على ذلك بثلاث شهادات كتابية.
أولاً، يذكر حزقيال أيوب إلى جانب نوح ودانيال: “إن وُجد هؤلاء الرجال الثلاثة في وسطها: نوح ودانيال وأيوب”. ويرى ويتاكر أن وضعه مع شخصيتين حقيقيتين يشهد لوجوده. ثانياً، يقتبس بولس في ١ كورنثوس ٣: ١٩ قول أليفاز الوارد في أيوب ٥: ١٣: “الآخذ الحكماء بمكرهم”. وثالثاً، يشير يعقوب ٥: ١١ إلى صبر أيوب. ومن اجتماع هذه الشهادات يستنتج ويتاكر أن القصة حقيقية وأن السفر قانوني.
أما سفر دانيال، فيذكر اعتراض الفيلسوف فرفوريوس، الذي زعم أن السفر لم يكتبه النبي القديم، بل شخص متأخر عاش في زمن أنطيوخس إبيفانيوس، وأن ما يبدو نبوة فيه ليس إلا وصفاً لأحداث وقعت بالفعل. لا يطيل ويتاكر الرد هنا، بل يرفض الاعتراض بسبب موقف فرفوريوس من الكتاب والدين عامة، ويحيل إلى كتابات قديمة ردت عليه.
الحذف من العهد الجديد
بعد العهد القديم ينتقل ويتاكر إلى الاعتداء على كتب العهد الجديد. فالمانويون لم يكتفوا برفض العهد القديم، بل اتهموا كتب الرسل والإنجيليين بأنها ممتلئة بالأكاذيب. ويشير إلى رد أوغسطينوس المفصل عليهم.
ثم يجمع عدة نماذج تكشف اختلاف القوائم التي صنعتها الجماعات لنفسها:
- قبل كردون وتلميذه مرقيون إنجيل لوقا وحده، ولم يقبلاه كاملاً، وأخذا بعض رسائل بولس مع حذف أجزاء منها، ورفضا أعمال الرسل والرؤيا.
- حصر الفالنتينيون قبولهم للأناجيل في إنجيل يوحنا، بينما رفض الألوجيون كتابات يوحنا كلها لأنهم أنكروا ألوهية المسيح الذي يسميه يوحنا “الكلمة”.
- قبل الإبيونيون إنجيل متى وحده، ورفضوا بولس باعتباره مرتداً عن الناموس.
- لم يقبل السيفيريون أعمال الرسل، ورفض المرقيونيون رسالتي تيموثاوس وتيطس والعبرانيين.
لا يناقش ويتاكر كل قائمة على حدة؛ فمجرد تناقضها يخدم غرضه. كل جماعة أبقت ما وافق تعليمها واستبعدت ما عارضه، فتحول القانون من معيار يحكم العقيدة إلى نتيجة تصنعها العقيدة بشكل مسبق.
رسالة فليمون
يخص ويتاكر رسالة فليمون بمناقشة مستقلة، لأن رفض قانونيتها عند البعض لم يكن نتيجة خلاف عقائدي ظاهر، بل لأنه لم ير فيها تعليماً يليق بالسلطان الرسولي. فقد ظنوا أن الرسل لا يمكن أن يتكلموا دائماً بوحي الروح، وأن محتوى هذه الرسالة شخصيّ لا ينطوي على ما يبني الكنيسة.
ويرد ويتاكر مستعيناً بخلاصة يوحنا ذهبي الفم لفوائد الرسالة. فهي تعلّم المؤمن أن يهتم بمن هم في أدنى منزلة اجتماعية، وألا ييأس من إصلاح إنسان بسبب وضعه أو ماضيه، وألا يفصل عبداً عن سيده بدعوى الدين، وألا يخجل من المؤمن الأمين وإن كان عبداً. فإذا كانت الرسالة تقدم هذه الدروس، فلا يصح وصفها بأنها عديمة النفع؛ وإذا كانت من كتابة بولس وتحمل تعليماً صالحاً للكنيسة، فلا يجوز إخراجها من القانون.
دعوى التعليم المباشر من الله بوصفها بديلاً عن دراسة الكتاب
تصل قائمة ويتاكر إلى صورتها الأشد تطرفاً عند جماعة عُرفت باسم الشوينكفلديين،[١] وجماعة أخرى يطلق على أفرادها اسم “التحرريين”. فهؤلاء، بحسب عرضه، لم يحذفوا سفراً بعينه، بل احتقروا الكتاب كله، وقالوا إن الواجب ليس الإصغاء إلى ما تقوله الأسفار، بل إلى ما يعلمه الروح داخل الإنسان. وينقل هوسيوس البولندي عنهم أنهم دعوا إلى ترك الكتب والاستماع إلى الله مباشرةً، ووصفوا الاشتغال بالكتاب بأنه تعب باطل، ورأوا أن الكتاب، لكونه شيئاً مخلوقاً، قليل القيمة.
يرد ويتاكر بثلاثة نصوص رئيسة. الأول قول المسيح: “فتشوا الكتب”. والثاني قول بولس في رومية ١٥: ٤ إن ما سبق فكتب كُتب لأجل تعليمنا. والثالث ٢ تيموثاوس ٣: ١٦، حيث يصف كل الكتاب بأنه موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ والتقويم والتأديب في البر. ولهذا يرفض ويتاكر أن يتخذ الإنسان من ادعاء تلقي تعليم مباشر من الله سبباً لترك دراسة الكتاب. فالمسيح والرسل أنفسهم دعوا إلى الرجوع إليه والتعلم منه.
هل يبقى الكتاب موثوقاً إذا جاز الخطأ على كتّابه؟
في القسم الأخير ينتقل ويتاكر من رفض الأسفار إلى مسألة أدق: هل يمكن قبول الكتب في القانون مع القول إن كتّابها أخطأوا أحياناً؟ وهو يرفض هذا الموقف أيضاً، لأن القانون عنده لا يبقى قاعدة يقينية إذا جاز أن يقرر القارئ أن هذا الموضع وحي وأن ذاك هفوة بشرية.
يستشهد بأوغسطينوس، الذي نفى عن الإنجيليين الكذب المتعمد والخطأ الناتج من النسيان. ثم يناقش رأياً أجازه إيراسموس في تفسير متى ٢٧، حيث نُسب القول إلى إرميا مع أن النص المعروف يوجد في زكريا. فقد رأى إيراسموس أن من الممكن أن يكون الاسم زلة ذاكرة، وأن خطأ صغيراً كهذا لا ينبغي أن يهدم سلطان الكتاب كله.
أما ويتاكر فيرفض السماح بهذه الزلة. ويستند إلى ٢ بطرس ١: ٢١، حيث تكلم رجال الله مسوقين من الروح القدس، وإلى ٢ تيموثاوس ٣: ١٦ عن وحي الكتاب. وحجته أن الضعف لا يُنسب إلى الروح القدس، ولذلك لا يجوز نسبة الخطأ إلى الكتّاب حين كتبوا بوحيه. ويستحضر جواب أوغسطينوس بأن السماح بكذبة واحدة، ولو بدت صغيرة، يزعزع سلطان الكتاب كله؛ إذ لن يبقى معيار يمنع القارئ من رد أي موضع آخر بالطريقة نفسها.
ويناقش ويتاكر حلاً مشابهاً قدمه ملكيور كانوس للصعوبة التي في خطاب استفانوس في أعمال الرسل ٧: ١٦. اقترح كانوس أن استفانوس ربما أخطأ وهو يسرد تاريخاً طويلاً، لكن لوقا لم يخطئ لأنه سجل كلامه بأمانة كما قيل. يرى ويتاكر أن هذا الحل يزيد المشكلة: استفانوس نفسه كان ممتلئاً من الروح القدس وقيل إنه تكلم بالروح، فلا يجوز عنده إعفاء لوقا من الخطأ بإلصاقه باستفانوس. ثم إن لوقا، لو عرف وقوع الخطأ، لما كان ليتركه بلا تصحيح.
يصل ويتاكر من ذلك إلى قاعدة حاسمة: ينبغي الحفاظ على سلطان الكتاب بالإقرار بأن كل ما يورده موافق للحق. فلا ينتقص سلطان الكتاب فقط حين يُحذف منه سفر، بل أيضاً حين يتم الإبقاء على اسم السفر ضمنه ولكن مع نزع الثقة عن مضمونه.
الخلاصة
يرسم الفصل الثالث حدود الموقف الذي سيدافع عنه ويتاكر في بقية السؤال الأول. فالكنيسة لا تملك أن تنتقي من الوحي ما يوافقها، ولا أن تستغني عن الكتاب بدعوى أن الله يعلّم الإنسان مباشرةً في داخله، ولا أن تحفظ قائمة الأسفار شكلياً ثم تجيز الخطأ في نصوصها. القانون، بحكم كونه قاعدة الإيمان والسلوك، يجب أن يبقى كاملاً وموثوقاً.
لكن هذا الاستعراض لا يثبت بعد أن الكتب المختلف عليها غير قانونية، ولا يجيب عن حجج من يقبلونها. لذلك ينتقل ويتاكر بعده إلى صلب المناظرة: المجامع والآباء الذين استند إليهم خصومه في إثبات تلك الكتب، وهل تكفي شهادتهم لمنحها مكاناً في القانون. هذا هو موضوع الفصل التالي.
الهوامش
[١] الشوينكفلديون جماعة نُسبت إلى كاسبار شوينكفلد. ويذكر محرر الترجمة الإنجليزية أنه كان فارساً من سيليزيا ومستشاراً لدوق ليغنتس، وتوفي سنة 1561. أما الرأي المنسوب إلى الجماعة هنا فهو بحسب عرض ويتاكر. المصدر: الكتاب نفسه، ص 36، حاشية 1. ↩
Source: William Whitaker, A Disputation on Holy Scripture against the Papists, Especially Bellarmine and Stapleton, trans. and ed. William Fitzgerald (Cambridge: Cambridge University Press, 1849), Question I, chapter III, pp. 30–38.