الفصل الرابع: إسرائيل والكنيسة: شعبان أم شعب واحد؟

يصل النقاش هنا إلى السؤال الذي وصفه رايري بأنه الاختبار اللاهوتي الأكثر حسماً للتدبيرية: هل تحتفظ إسرائيل والكنيسة بهويتين متميزتين في قصد الله، أم أن المسيح يجمع اليهود والأمم في شعب عهدي واحد؟ لا يتعلق السؤال بإنكار وجود إسرائيل في التاريخ، ولا بمحو الفروق العرقية، ولا بالقول إن الكنيسة بدأت في العهد القديم بالصورة المؤسسية نفسها التي ظهرت بعد يوم الخمسين. إنما يتعلق بهوية شعب الله في عصر الإتمام: من هم ورثة الوعود، وبأي أساس يدخلون إلى الميراث؟[١] وسيختبر هذا الفصل من الدراسة أفضل صيغة للحجة التدبيرية، ثم يفحصها في ضوء يوحنا ١٠: ١٦، وأفسس ٢: ١١-٢٢، وغلاطية ٣: ٢٦-٢٩، وبطرس الأولى ٢: ٩-١٠، ورومية ٩: ٦-٨ و١١: ١٧-٢٤. وهذه النصوص لا تجيب عن كل سؤال أخروي، لكنها ترسم بنية يصعب تجاوزها: راعٍ واحد، وإنسان واحد جديد، وعائلة واحدة لإبراهيم، وشعب واحد للكهنوت والقداسة، وزيتونة واحدة يدخل إليها اليهود والأمم بالإيمان.

١. ما الذي تقوله التدبيرية في أقوى صورها؟

لا تقول التدبيرية السائدة إن اليهود يخلصون بلا المسيح، ولا إن الكنيسة حادث عابر لا قيمة له. يؤكد رايري أن الخلاص في كل العصور قائم على نعمة الله واستحقاق المسيح، وأن الكنيسة جسد المسيح المتميز الذي بدأ في يوم الخمسين. لكنه يرى في الوقت نفسه أن إسرائيل القومية والكنيسة لا ينبغي دمجهما؛ فلكل منهما مكان متميز في برنامج الله، وتبقى الوعود غير المشروطة لإسرائيل موجهة إلى نسل إبراهيم الجسدي في مستقبل قومي وأرضي.[٢]

ويعرض تراهان منطق هذا الموقف بوضوح: فالعهود الإبراهيمية والداودية والجديدة ووعود الأرض وُجهت، بحسب القراءة التدبيرية، إلى إسرائيل التاريخية. وإذا كانت الكلمات تُحمل على معناها العادي، فلا يجوز أن يصبح لفظ “إسرائيل” اسماً للكنيسة، ولا أن يتحول الوعد القومي إلى بركة كنسية. وقد تشارك الكنيسة في بعض البركات الروحية، لكن هذا الاشتراك لا يستنفد حق إسرائيل في الإتمام القومي الموعود. ومن هنا يرتبط تمييز الشعبين بالملك الألفي والاختطاف السابق للضيقة: تُرفع الكنيسة، ثم يُستأنف البرنامج النبوي الخاص بإسرائيل.[١]

تستحق هذه الحجة أن تؤخذ بجدية لأنها تريد الدفاع عن أمانة الله. فإذا وعد الله شعباً بشيء، يبدو للوهلة الأولى أن إعطاءه لجماعة أخرى تغييرٌ للعنوان بعد كتابة الرسالة. كما أن تاريخ الكنيسة يحمل صفحات مؤلمة من احتقار اليهود واضطهادهم، ولذلك يخشى كثيرون أن يكون الحديث عن “إتمام” الكنيسة للوعود غطاءً لاهوتياً لمحو إسرائيل. لكن قوة الدافع لا تحسم صحة البناء؛ فالسؤال ليس هل يفي الله بوعده، بل كيف يعرّف العهد الجديد الوارث، وكيف يصف دخول الأمم إلى ميراث إسرائيل. وإذا كان الوارث المركزي هو المسيح، وإذا كان اليهود والأمم يصيرون فيه جسداً واحداً، فلن يكون إتمام الوعد في هذا الجسد إعطاءً له إلى جماعة غريبة، بل تحقيقاً له في الشخص الذي اتجه إليه الوعد منذ البداية.

٢. هل الموقف المُصلَح “لاهوت استبدال”؟

تفترض عبارة “لاهوت الاستبدال” غالباً قصةً من خطوتين: كان لإسرائيل مكان لدى الله، ثم رفضها ووضع كنيسة أممية مكانها. لكن هذه ليست الصياغة التي يدافع عنها هذا الفصل. فالكنيسة الأولى لم تكن جماعة أممية حلت محل جماعة يهودية؛ كان المسيح يهودياً، والرسل يهوداً، وبقية يوم الخمسين يهودية، ثم أُدخل المؤمنون من الأمم إلى جماعة بدأت داخل إسرائيل نفسها. لذلك يكون وصف “الضم” أو “التوسيع المسياني” أدق من وصف الاستبدال. لم تُقتلع شجرة إسرائيل لتُزرع شجرة أممية جديدة؛ بل بقيت الزيتونة، وثبتت فيها الأغصان اليهودية المؤمنة، وكُسرت أغصان بسبب عدم الإيمان، وطُعمت أغصان من الأمم بالإيمان. بهذا المعنى لا تستبدل الكنيسة إسرائيل، بل تضم بقية إسرائيل المؤمنة إلى الأمم المؤمنين في جسد المسيح الواحد.[٣]

مع ذلك، لا ينبغي استعمال الاعتراض على كلمة “الاستبدال” لإخفاء خلاف حقيقي. فالقراءة المُصلَحة تقول إن العضوية في شعب العهد الجديد لا تُحدد بالانتساب القومي، وإن جميع بركات الخلاص والميراث تصل إلى اليهودي والأممي بالطريق نفسه: الاتحاد بالمسيح بالإيمان. وهي لذلك ترفض وجود جماعة عهدية مخلَّصة خارج جسد المسيح، أو برنامج خلاصي موازٍ يعود فيه التمييز القومي أساساً لامتلاك بركات العهد.

٣. يوحنا ١٠: ١٦: رعية واحدة وراعٍ واحد

يقدم يسوع صورةً موجزة لبنية شعبه: له خراف من الحظيرة الإسرائيلية، وله “خراف أُخر” ليست من هذه الحظيرة؛ وسيأتي بها أيضاً، فتسمع صوته، وتصير “رعية واحدة وراعٍ واحد”. ويفهم كولن كروزه الإشارة إلى دخول السامريين والأمم بواسطة الكرازة الرسولية. والنتيجة التي يحددها النص ليست رعيتين متجاورتين تحت إدارة واحدة، بل رعية واحدة تتكون من اليهود والأمم تحت الراعي الواحد.[٤]

لا يقول النص إن الفروق التاريخية بين الخراف تزول، ولا يعالج جميع تفاصيل مستقبل إسرائيل، لكنه يحدد اتجاه عمل الراعي: الجمع لا الموازاة. فالآتي من خارج حظيرة إسرائيل لا يبقى في حظيرة أممية مستقلة، بل يسمع صوت المسيح ويدخل إلى جماعة تحددها علاقتها بالراعي. وخلفية الصورة مهمة أيضاً؛ فالعهد القديم يصف الله راعي إسرائيل، وينتقد الرعاة الذين بددوا القطيع، ويعد بأن يقيم راعياً أميناً يجمعه. وعندما يعلن يسوع أنه الراعي الصالح، ثم يضم الأمم إلى رعيته، فهو لا ينشئ مشروعاً منفصلاً عن رجاء إسرائيل، بل يتمم الرجاء في شخصه ويوسع القطيع ليشمل من كانوا بعيدين.

٤. أفسس ٢: ١١-٢٢: من غرباء إلى إنسان واحد جديد

لا يهوّن بولس من الامتياز التاريخي لإسرائيل. كان الأمم “غرباء عن رعوية إسرائيل وأجانب عن عهود الموعد”، بلا رجاء وبلا إله في العالم. لكنه لا يقول إنهم بعد الإيمان نالوا بركات روحية مع بقائهم خارج رعوية إسرائيل. لقد صار البعيدون قريبين بدم المسيح، وهدم المسيح حائط السياج المتوسط، وصنع الاثنين واحداً.[٥]

تتراكم عبارات الوحدة في المقطع على نحو يصعب اختزاله في تعاون بين برنامجين:

  • خلق المسيح من اليهود والأمم “إنساناً واحداً جديداً”.
  • صالح الاثنين مع الله “في جسد واحد” بالصليب.
  • منح الاثنين الدخول “في روح واحد” إلى الآب.
  • جعل المؤمنين من الأمم “رعيةً مع القديسين وأهل بيت الله”.
  • بنى الجميع معاً هيكلاً واحداً مسكناً لله في الروح.

يشرح داريل ل. بوك أن هذه المصالحة تتحرك في ثلاثة اتجاهات: مصالحة اليهود مع الله، ومصالحة الأمم مع الله، ومصالحة الفريقين أحدهما مع الآخر. فالكنيسة ليست تجمع أفراد نال كل منهم خلاصاً خاصاً فحسب؛ إنها الخليقة البشرية الجديدة التي أنشأها الصليب. والقول بوجود “إنسان واحد جديد” لا ينسجم بسهولة مع إبقاء جماعتين عهديتين متوازيتين لكل منهما هويتها الخلاصية الدائمة.[٥] لكن الوحدة لا تعني أن للأمم حقاً في التعالي على اليهود. فقد دخلوا إلى عهود الموعد بفضل دم مسيح إسرائيل، وبُنيوا على أساس الرسل والأنبياء، وكان اقترابهم نعمةً لا استحقاقاً. ولهذا تقود وحدة الشعب إلى الشكر والتواضع، لا إلى محو الذاكرة الإسرائيلية من قصة الخلاص.

٥. غلاطية ٣: ٢٦-٢٩: من هو نسل إبراهيم ووارث الموعد؟

يضع بولس مركز الوعد أولاً في المسيح: الموعد قيل لإبراهيم و”نسله”، والنسل في ذروة الحجة هو المسيح (غلاطية ٣: ١٦). ثم يفتح باب الاشتراك في هذا الميراث لكل من اتحد بالمسيح: “إن كنتم للمسيح، فأنتم إذاً نسل إبراهيم، وحسب الموعد ورثة” (غلاطية ٣: ٢٩). فلا يدخل الأممي إلى الميراث بصيرورته يهودياً بحسب الجسد، ولا يبقى وريثاً من الدرجة الثانية. وهو لا يتسلم وعداً أممياً موازياً لوعد إسرائيل، بل يصير في المسيح من نسل إبراهيم ووارثاً حسب الوعد نفسه. ويبين فيليب غراهام رايكن أن عبارة “لا يهودي ولا يوناني” لا تمحو العرق أو الجنس أو الوضع الاجتماعي، لكنها تنفي أن تكون هذه الفروق أساساً للمكانة داخل عائلة الله. فالكل أبناء بالإيمان، والكل واحد في المسيح، والكل ورثة.[٦]

هنا يظهر الفرق بين الوحدة والتجانس. لا يتوقف بولس عن كونه يهودياً، ولا يتوقف اليوناني عن انتمائه الثقافي، مثلما لا يزول الفرق بين الرجل والمرأة. لكن هذه الفروق لا تنشئ درجات في البنوة، ولا عائلتين لإبراهيم، ولا ميراثين خلاصيَّين. الاتحاد بالمسيح هو الذي يحدد البنوة والميراث.

٦. بطرس الأولى ٢: ٩-١٠: ألقاب إسرائيل على جماعة المسيح

يخاطب بطرس جماعةً تضم مؤمنين من خلفية أممية، ويطلق عليها ألقاباً جاءت من تأسيس إسرائيل ودعوتها: “جنس مختار، وكهنوت ملوكي، أمة مقدسة، شعب اقتناء”. ثم يستعمل لغة هوشع: “الذين قبلاً لم تكونوا شعباً، وأما الآن فأنتم شعب الله” (بطرس الأولى ٢: ٩-١٠).[٧]

ويلفت دانيال م. دورياني النظر إلى أن هذه ليست مجاملات عامة؛ إنها عبارات تأسيسية لهوية إسرائيل في الخروج وإشعياء وهوشع. وتطبيقها على الكنيسة يعني أن المؤمنين من الأمم لم يعودوا متفرجين على قصة إسرائيل، بل صارت أسفار العهد القديم قصتهم، وصاروا مع المؤمنين من اليهود جماعةً واحدة للكهنوت والشهادة وإعلان فضائل الله.[٧]

قد يقول التدبيري إن هذا تطبيق أو تشابه لا إتمام، وإن استعمال الألقاب للكنيسة لا يسلبها من إسرائيل. وهذه ملاحظة صحيحة جزئياً: اشتراك الكنيسة في اللقب لا يثبت وحده أن كل استعمال لكلمة “إسرائيل” يعني الكنيسة. لكن تراكم الألقاب مع نصوص الرعية الواحدة، والإنسان الواحد، ونسل إبراهيم، والزيتونة الواحدة، يجعل تفسيرها كمجرد استعارة سطحية أقل إقناعاً. فالعهد الجديد لا يعطي الكنيسة تشبيهات إسرائيل فحسب، بل يصف وظيفتها العهدية وهويتها في لغة شعب الله القديم.

٧. رومية ٩: ٦-٨: ليس كل من إسرائيل هو إسرائيل

يواجه بولس اعتراضاً خطيراً: إذا رفض معظم إسرائيل المسيح، فهل سقط كلام الله؟ يبدأ جوابه بالتمييز داخل إسرائيل نفسها: “ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون، ولا لأنهم من نسل إبراهيم هم جميعاً أولاد”. فالانتساب الجسدي امتياز تاريخي حقيقي، لكنه لم يكن قط ضماناً آلياً للمشاركة في الخلاص.[٨]

ويتتبع ف. ف. بروس هذا المبدأ عبر تاريخ الوعد: كان لإبراهيم أكثر من ابن، لكن خط الموعد سار في إسحاق؛ وكان لإسحاق ابنان، لكن الاختيار سار في يعقوب. وهكذا حفظ الله قصده بواسطة بقية مؤمنة داخل الجماعة التاريخية. لذلك لا يعني عدم إيمان الأغلبية أن الوعد فشل، لأن الوعد لم يكن يعمل بآلية الدم وحدها.[٨]

هذا التمييز مهم للطرفين. فهو يمنع القراءة المُصلَحة من الحديث عن إسرائيل وكأن تاريخها بلا قيمة، ويمنع القراءة القومية من مساواة النسب الطبيعي بالعضوية الخلاصية. كما يهيئ لحل رومية ١١: بقية يهودية مؤمنة تستمر في الزيتونة، وأمم مؤمنون يُطعمون فيها، ويهود غير مؤمنين يمكن أن يُطعموا ثانيةً إن لم يثبتوا في عدم الإيمان.

٨. رومية ١١: ١٧-٢٤: زيتونة واحدة لا شجرتان

صورة الزيتونة من أوضح الصور التي تحفظ الوحدة والتمييز معاً. الجذر مرتبط بالآباء والوعود؛ والأغصان الطبيعية تمثل اليهود؛ والأغصان البرية تمثل الأمم. لكن بولس لا يرسم زيتونة لإسرائيل وأخرى للكنيسة. توجد شجرة واحدة، وتُحدد العضوية فيها بالإيمان أو عدمه.[٩]

ويشرح بروس أن المؤمنين من الأمم لم يؤسسوا شعباً جديداً منقطعاً عن إسرائيل، بل طُعموا في شعب الله وصاروا شركاء في أصل الزيتونة ودسمها. أما الأغصان اليهودية التي كُسرت، فلم تُكسر لأنها يهودية بل بسبب عدم الإيمان. ويمكن أن تُطعم ثانيةً، لا بواسطة برنامج خلاص منفصل، بل بالطريق الذي تقوم عليه الشجرة كلها: الإيمان.[٩]

تحمل الصورة ثلاثة تصحيحات متزامنة:

  • ضد الازدواج الخلاصي: ليست هناك شجرتان، بل شعب واحد متجذر في مواعيد الله.
  • ضد الاستعلاء الأممي: الغصن البري لا يحمل الأصل، بل الأصل يحمله؛ لذلك لا يحق للكنيسة أن تفتخر على اليهود.
  • ضد القومية الآلية: الأغصان الطبيعية لا تثبت في الشجرة بالنسب وحده، بل تحتاج إلى الإيمان بالمسيح.

ومن هنا يمكن حفظ رجاء حقيقي لليهود من دون إنشاء شعب خلاص ثانٍ. فبولس يتوقع إمكان تطعيم الأغصان الطبيعية ثانيةً، بل يبني رجاءه على قدرة الله ووفائه. وسيبحث الفصل السادس معنى “كل إسرائيل سيخلص” ومدى الاهتداء اليهودي المنتظر. لكن ما يحسمه النص هنا هو موضع ذلك الخلاص: الزيتونة نفسها، لا برنامج موازٍ خارج الكنيسة.

٩. هل بقيت فروق بين اليهود والأمم؟

نعم، تبقى فروق التاريخ والثقافة والنسب والخبرة. يستطيع بولس بعد إيمانه أن يسمي نفسه إسرائيلياً من سبط بنيامين، وأن يتألم من أجل أنسبائه حسب الجسد. كما أن رومية ١١ يميز بوضوح بين الأغصان الطبيعية والبرية، ويتحدث عن رجاء يتعلق باليهود بوصفهم جماعة تاريخية. لكن الفرق الباقي ليس فرقاً في طريق الخلاص أو درجة البنوة أو نوع الميراث. فالرسول نفسه الذي يميز اليهودي من الأممي يقول إن الاثنين يدخلان إلى الآب في روح واحد، وإنهما جسد واحد وورثة معاً. لذلك يمكن صياغة النتيجة بدقة: تمييز تاريخي وعرقي داخل وحدة عهدية وخلاصية، لا شعبان خلاصيَّان متوازيان.

تفيد هذه الصياغة في تجنب خطأين. الأول هو محو اليهودية، كأن إيمان اليهودي بالمسيح يطالبه بازدراء تاريخه أو إنكار أمانة الله لآبائه. والثاني هو تحويل اليهودية العرقية إلى مكانة خلاصية مستقلة عن المسيح. فاليهودي المؤمن لا يصير أقل يهوديةً حين ينضم إلى الكنيسة؛ بل يجد في مسيح إسرائيل غاية المواعيد. والأممي المؤمن لا يصير صاحب حق في الافتخار؛ فقد أُدخل بالنعمة إلى قصة لم يبدأها هو.

١٠. تقويم الحجة التدبيرية

تُصيب التدبيرية عندما تصر على أن الله لم يخطئ عنوان وعوده، وأن تاريخ إسرائيل لا يجوز أن يُمحى، وأن رومية ٩-١١ تمنع الكنيسة الأممية من الغرور. وهي محقة أيضاً في التحذير من استعمال كلمة “روحي” لإفراغ الوعود من الحقيقة المادية أو التاريخية. لكنها لا تُقنع عندما تجعل الوفاء بالوعد متوقفاً على إبقاء الجماعة القومية وارثاً موازياً للكنيسة. فالعهد الجديد لا ينقل الوعد اعتباطياً من شعب إلى شعب؛ إنه يضع الوعد في المسيح، نسل إبراهيم الحقيقي وابن داود والراعي الصالح، ثم يجعل جميع المتحدين به ورثة. وهذا الإتمام لا يقلل من الوعد، بل يكشف سعته: الأمم البعيدة تدخل إلى عهود الموعد، وتصير من أهل البيت، ويصبح شعب الله هيكلاً حياً يمتد إلى كل أمة.[١٠]

كما أن القول إن هذه النصوص مجرد “تطبيق” على الكنيسة من دون أن تمس هوية إسرائيل لا يفسر قوة ألفاظها مجتمعةً. فبولس لا يقول إن اليهود والأمم يتعاونون فحسب، بل إن المسيح خلقهما إنساناً واحداً؛ ولا يقول إن الأمم يتلقون بركة مشابهة، بل إنهم نسل إبراهيم وورثة حسب الموعد؛ ولا يرسم شجرتين بينهما علاقة، بل زيتونة واحدة.[١١] وتقترب التدبيرية التقدمية من هذه النتيجة حين تعترف بوحدة الخطة، وببدء ملك المسيح، وبمشاركة الكنيسة الحقيقية في بركات العهود. وهذه مراجعات مرحب بها لأنها تنسجم مع النصوص. لكن إبقاء مستقبل قومي متميز بوصفه إتماماً ضرورياً موازياً يظل محتاجاً إلى إثبات من العهد الجديد، لا إلى افتراض أن كل توسع مسياني لا بد أن يترك خلفه نسخةً قومية مستقلة من الوعد.

١١. نتائج رعوية وأخلاقية

ليست هذه الخلاصة تمريناً في تصنيف الجماعات فقط. فإذا كان المسيح قد هدم العداوة، فلا يجوز للكنيسة أن تعيد بناءها بتمييز عنصري أو قومي. وإذا كان الأممي غصناً مطعماً بالنعمة، فمعاداة اليهود تناقض منطق الإنجيل ورومية ١١. وإذا كان اليهودي لا يثبت في شعب الله بالنسب وحده، فالمحبة الحقيقية لا تمنحه طمأنينةً كاذبة خارج المسيح، بل تشهد له باحترام ووضوح بالمسيا الذي تمت فيه المواعيد.

كذلك لا يمنح الكتاب أي دولة معاصرة حصانةً أخلاقية مطلقة على أساس النسب الكتابي. يمكن للمسيحي أن يدافع عن أمن اليهود وحقهم في الحياة، وأن يدين معاداة السامية، وأن يعترف بالتعقيد السياسي والتاريخي للنزاع، من دون أن يجعل سياسات دولة حديثة إتماماً تلقائياً للعهد. وتُلزم العدالة المسيحية بالدفاع عن كرامة اليهودي والفلسطيني وسائر الشعوب، لأن سلطان الله الأخلاقي لا يتوقف عند حدود قومية.[١٢]

أما داخل الكنيسة، فتدعونا النصوص إلى أن نجعل الوحدة المرئية شهادةً لوحدة الإنجيل. ليس المقصود إلغاء اللغات والثقافات، بل منعها من التحول إلى طبقات روحية. الكنيسة التي يجلس فيها اليهودي والأممي، والمهاجر والمواطن، والغني والفقير، إلى مائدة الرب الواحدة، تقدم للعالم علامةً ملموسة على أن المسيح هو سلامنا.

خلاصة الفصل

لا يعلّم العهد الجديد أن كنيسة أممية اقتلعت إسرائيل وأخذت مكانها، ولا يعلّم بوجود شعبين خلاصيَّين يسيران في برنامجين متوازيين. إنه يعلن أن المسيح يجمع بقية إسرائيل المؤمنة والمؤمنين من الأمم في رعية واحدة، وإنسان واحد جديد، وعائلة واحدة لإبراهيم، وهيكل واحد، وزيتونة واحدة. وتبقى الفروق العرقية والتاريخية، ويبقى رجاء جاد لدخول اليهود إلى الإيمان، لكن هذه الفروق والآمال تقع داخل جسد المسيح لا إلى جواره. أمانة الله لوعوده تظهر لا في العودة إلى حدود الظل، بل في وصول الوعد إلى وارثه الحقيقي، ثم اشتراك كل من هو فيه في الميراث بالنعمة ومن خلال الإيمان.

الحواشي

[١] Kerry Trahan, A Complete Guide to Understanding the Dispensationalism Controversy (Port Neches, Texas: Disciple of Jesus Ministries, 2007), 78, 130–136. In this discussion Trahan relies on Ryrie, Enns, Saucy, Lightner, and Walvoord. ↩ ↩

[٢] Charles C. Ryrie, Basic Theology: A Popular Systematic Guide to Understanding Biblical Truth (Chicago: Moody Publishers, 1999), 461–466. ↩

[٣] Sam Storms, Kingdom Come: The Amillennial Alternative (Fearn, Scotland: Mentor, 2013), 177–208, especially 195–196. ↩

[٤] Colin G. Kruse, John: An Introduction and Commentary, Tyndale New Testament Commentaries 4 (Downers Grove, Illinois: InterVarsity Press, 2017), 272–275, especially 273 and 275. ↩

[٥] Darrell L. Bock, Ephesians: An Introduction and Commentary, Tyndale New Testament Commentaries 10 (Downers Grove, Illinois: InterVarsity Press, 2019), 72–89, especially 76–84. ↩ ↩

[٦] Philip Graham Ryken, Galatians, Reformed Expository Commentary (Phillipsburg, New Jersey: P&R Publishing, 2005), 142–155, especially 151–155. ↩

[٧] Daniel M. Doriani, 1 Peter, Reformed Expository Commentary (Phillipsburg, New Jersey: P&R Publishing, 2014), 65–75, especially 72–73. ↩ ↩

[٨] F. F. Bruce, Romans: An Introduction and Commentary, second edition, Tyndale New Testament Commentaries 6 (Downers Grove, Illinois: InterVarsity Press, 1985), 183–189, especially 188–189. ↩ ↩

[٩] F. F. Bruce, Romans: An Introduction and Commentary, second edition, Tyndale New Testament Commentaries 6 (Downers Grove, Illinois: InterVarsity Press, 1985), 209–217, especially 213–216. ↩ ↩

[١٠] O. Palmer Robertson, The Israel of God: Yesterday, Today, and Tomorrow (Phillipsburg, New Jersey: P&R Publishing, 2000), 33–51, especially 38–44 and 49–50; compare Joel R. Beeke and Paul M. Smalley, Reformed Systematic Theology, Volume 4: Church and Last Things (Wheaton, Illinois: Crossway, 2024), 872–899. ↩

[١١] Sam Storms, Kingdom Come: The Amillennial Alternative (Fearn, Scotland: Mentor, 2013), 189–208. ↩

[١٢] O. Palmer Robertson, The Israel of God: Yesterday, Today, and Tomorrow (Phillipsburg, New Jersey: P&R Publishing, 2000), 46–51. ↩

العودة إلى فهرس الدراسة