الفصل الثاني: ما معنى أن يكون السفر قانونيًا؟
القسم الأول: ما هي الأسفار القانونية؟
السؤال الأول من مناظرة ويتاكر في الكتاب المقدس
لا يبدأ الخلاف حول قانون الكتاب المقدس بالسؤال عن طوبيا أو يهوديت أو المكابيين. فقبل أن نفحص كتابًا بعينه، ينبغي أن نسأل: ماذا نعني أصلًا حين نصف كتابًا بأنه “قانوني”؟ وهل يكفي أن يكون الكتاب قديمًا، أو نافعًا، أو مقروءًا في الكنيسة، لكي يكون جزءًا من كلمة الله ذات السلطان الملزم؟
هذا هو المدخل الذي اختاره وليم ويتاكر في كتابه مناظرة في الكتاب المقدس. فهو لا يبدأ بقائمة أسماء مجردة، بل بكلمة المسيح: “فتشوا الكتب”. ومن هذه الوصية يرسم خريطة المناظرة كلها، ثم يحدد موضع السؤال الأول: ما هي الكتب التي ينبغي أن نفتشها بوصفها الكتاب المقدس؟
هذا السؤال ليس سؤالًا عرضيًا. فإذا أخطأنا في حدود القانون، أخطأنا في تعيين المصدر الذي نرجع إليه لمعرفة الإيمان وتوجيه الحياة. ولذلك يرى ويتاكر أن ضبط معنى “القانون” وحدوده يجب أن يسبق الكلام عن ترجمات الكتاب وسلطانه ووضوحه وتفسيره وكفايته.
لماذا نبحث في الكتب المقدسة؟
يؤسس ويتاكر بحثه على قول المسيح في يوحنا ٥: ٣٩: “فتشوا الكتب”. وفي سياق هذا القول كان المسيح يتحدث عن الشهادات التي تدل عليه. شهد له يوحنا المعمدان، لكن المسيح أشار إلى شهادات أعظم: الأعمال التي صنعها، والآب الذي أرسله، والكتب المقدسة التي تشهد له. لم يوبخ المسيح اليهود لأنهم ظنوا أن في الكتب حديثًا عن الحياة الأبدية، بل وجّههم إلى أن يبحثوا فيها بحثًا جادًا. ويشدد ويتاكر على أن فعل “فتشوا” لا يصف مرورًا سريعًا على النص، بل فحصًا دقيقًا يشبه بحث الإنسان عن كنز مدفون. لا تكفي النظرة الخاطفة؛ المطلوب قراءة مثابرة تسعى إلى فهم المعنى.
وتكشف طريقة ويتاكر في استعمال هذا النص عن نقطة ستلازم المناظرة كلها. فالكتاب عنده ليس شاهدًا ثانويًا نلجأ إليه بعد استنفاد الشهادات الأخرى، بل شهادة يحيل المسيح سامعيه إليها. كان يوحنا المعمدان شاهدًا صادقًا مكرمًا، لكن المسيح تكلم عن شهادة أعماله، وشهادة أبيه، وشهادة الكتب. لذلك لا يقلل ويتاكر من قيمة الشاهد البشري، لكنه يميز بينه وبين المكانة التي أعطاها المسيح للكتاب.
والبحث المطلوب ليس غاية في ذاته. فالكتب تشهد للمسيح، ومن يفتشها من غير أن يرى وجهة شهادتها لم يصل بعد إلى الغرض الذي يشير إليه السياق. ومع ذلك، لا يستعمل ويتاكر هذه الحقيقة ذريعة لتجاوز النص أو الاكتفاء بفكرة عامة عنه. فالشهادة للمسيح توجد في الكتب، ولذلك يلزم البحث في ألفاظها ومعانيها وأجزائها كلها. كما أن الوصية، في نظره، لا تدعو إلى انتقاء أجزاء محببة وإهمال بقية الكتاب. فالمسيح يوجه سامعيه إلى الكتب من حيث هي شهادة متكاملة له. ومن هنا تظهر المشكلة الأولى: إذا كنا مأمورين أن نفتش الكتب، فما هي الكتب المقصودة؟
يعترف الطرفان اللذان يناقشهما ويتاكر بوجوب الرجوع إلى الكتاب المقدس. الخلاف ليس بين من يكرم الكتاب ومن يرفضه ببساطة، بل يتعلق بالكتاب نفسه وبالطريقة الصحيحة للرجوع إليه: ما حدوده؟ من يحق له قراءته؟ من أين يستمد سلطانه؟ هل يمكن فهمه؟ من يفسره؟ وهل هو كامل بحيث يكفي الكنيسة، أم يحتاج إلى تقاليد غير مكتوبة إلى جانبه؟
ستة أسئلة تخرج من وصية واحدة
من عبارة “فتشوا الكتب” يستخرج ويتاكر الأسئلة الستة التي تنظّم كتابه كله.
١. ما هي الكتب القانونية؟
قبل البحث في الكتاب يجب تعيين الكتب الأصلية التي تحمل اسم الكتاب المقدس بحق. ومن هنا يأتي السؤال الأول عن عدد الأسفار القانونية وحدودها. وهذا هو موضوع الفصول الأولى من هذا القسم.
٢. من يقرأ الكتاب، وبأي لغة؟
إذا كان المسيح يأمر بتفتيش الكتب، فلمن وُجه الأمر؟ هل يقتصر على العلماء الذين يعرفون اللغات القديمة، أم يشمل جميع المؤمنين؟ يقود هذا إلى البحث في الترجمات إلى اللغات المتداولة، وفي استعمال لغة يفهمها الشعب في العبادة.
٣. من أين يأتي سلطان الكتاب؟
إحالة المسيح إلى الكتب تكشف سمو مكانتها. لكن هل تستمد هذه المكانة من شهادة الكنيسة، أم أن الكتاب يحمل سلطانه في ذاته لأن الروح القدس هو مؤلفه؟
٤. هل الكتاب واضح؟
لا معنى للأمر بالبحث إذا كان الوصول إلى معنى الكتاب مستحيلًا. لذلك ينتقل ويتاكر إلى وضوح الكتاب: هل يستطيع المؤمن أن يفهم رسالته، وينتفع بقراءته، أم يظل النص مكتومًا لا يُعلَن إلا بسلطان خارجي؟
٥. كيف يُفسَّر الكتاب؟
تفتيش الكتب هو طلب معناها، لأن الألفاظ لا تؤدي غايتها بعيدًا عن المعنى الذي تحمله. ومن هنا يأتي السؤال عن قواعد التفسير، وعن صاحب الحق والسلطان في تحديد معنى النص.
٦. هل الكتاب كامل وكافٍ؟
إذا كان الأمر هو “فتشوا الكتب”، فهل يطلب المؤمن في الكتاب المكتوب كل ما يلزمه للإيمان والطاعة، أم توجد إلى جواره تقاليد غير مكتوبة لا يمكن الاستغناء عنها؟ بهذا ينتهي ترتيب ويتاكر إلى كمال الكتاب وكفايته.
ليست هذه الأسئلة موضوعات متجاورة جُمعت اعتباطًا. إنها سلسلة مترابطة: نعين الكتب أولًا، ثم نسأل من يقرأها وبأي لغة، ومن أين يأتي سلطانها، وهل يمكن فهمها، وكيف تُفسَّر، وهل تكفي. وهكذا يصبح السؤال عن القانون أساسًا لما بعده، لا فصلًا تاريخيًا منعزلًا عن بقية عقيدة الكتاب المقدس.
ولهذا يبدأ بالعدد لا لأنه أبسط الأسئلة دائمًا، بل لأنه أسبقها منطقيًا. لا نستطيع مناقشة سلطان “الكتاب” قبل أن نعرف ما الذي يدخل تحت هذا الاسم. ولا نستطيع السؤال عما إذا كان كافيًا، بينما القائمة التي نصفها بالكفاية ما زالت غير محددة. فالسؤال الأول يضع موضوع البحث بين أيدينا، ثم تأتي الأسئلة الأخرى لتفحص صفاته واستعماله.
لماذا تسمى هذه الكتب “قانونية”؟
بعد رسم الخريطة ينتقل ويتاكر إلى تعريف المصطلح. تسمى أسفار الكتاب “قانونية” لأنها تحتوي القاعدة أو المعيار الذي يضبط الإيمان والسلوك. فكما يخضع المواطن لقانون الدولة، ينبغي للمسيحي أن يقيس معتقده وحياته بحسب قانون الكتاب. ولا تعني كلمة “قانون” هنا مجرد قائمة رسمية وضعتها مؤسسة ما. إنها تصف وظيفة هذه الكتب: فهي المعيار الذي تُفحص به التعاليم، والميزان الذي تُوزن عليه الأقوال، والخيط الذي يُقاس به استقامة البناء. فإذا اختلفت الآراء، لا يكون الإنسان حرًا في اختيار الميزان الذي يمنحه النتيجة التي يريدها؛ بل يرجع إلى المعيار الذي أعطاه الله.
ويستدعي ويتاكر عددًا من الشهادات القديمة لتوضيح هذا الاستعمال. فقد وُصف الكتاب بأنه ميزان دقيق وقاعدة لكل شيء، ودعا أوغسطينوس إلى إحضار “موازين الله” من الكتب المقدسة بدلًا من استعمال موازين خادعة نصنعها بحسب أهوائنا. وقال روفينوس إن الآباء حصروا كتبًا معينة داخل القانون لكي تُثبت منها قضايا الإيمان. ونُقل عن توما الأكويني أن تعليم الأنبياء والرسل يسمى قانونيًا لأنه قاعدة للفهم.
وظيفة هذه الشهادات ليست أن تمنح الكتاب سلطانه، بل أن تبين معنى المصطلح كما يستخدمه ويتاكر: السفر القانوني ليس مجرد كتاب للقراءة أو الوعظ أو التهذيب، بل كتاب يحق للكنيسة أن تثبت منه ما يجب أن تؤمن به، وأن تقيس به ما يجب أن تعيشه.
هنا ينبغي ملاحظة جانبي التعريف معًا. فالكتاب قاعدة الإيمان، ولذلك تُختبر به العقائد ولا تُقبل لمجرد شيوعها أو قدمها. وهو أيضًا قاعدة السلوك، فلا ينحصر سلطانه في القضايا الجدلية أو الصياغات اللاهوتية، بل يمتد إلى حياة المؤمن وطاعته. القانون لا يخبر الكنيسة بما تفكر فيه فقط، بل يرسم لها كيف تعيش.
ويستخدم ويتاكر صورة البنّاء الذي يراجع عمله بالخيط والشاقول. لا يصنع البنّاء الخط المستقيم بحسب ميل الجدار الذي بناه، بل يضع الجدار تحت حكم المعيار. وبالمثل، لا تُعدَّل دلالة الكتاب لكي توافق ما استقر عليه الناس، بل تُعرض معتقداتهم وأعمالهم على قاعدته. من هنا تحمل كلمة “قانوني” معنى السلطة والاختبار، لا معنى التكريم الأدبي وحده.
كما أن هذه الكتب موزعة بين العهد القديم والعهد الجديد، ولذلك يشير ويتاكر إلى إمكان وصفها بأنها “كتب العهد”. والسؤال لا يتعلق بوجود عهدين أو بقبول الكتب الكبرى فيهما، بل بتعيين الكتب التي يجوز إدخالها في هذا المجموع بوصفها حاملة للقاعدة نفسها. فإلحاق كتاب بمجلد الكتاب المقدس لا يكفي وحده؛ القضية هي هل ينتمي إلى العهد من حيث السلطان، لا من حيث موضعه على الرف أو بين دفتي مجلد.
ويشير هذا التعريف منذ البداية إلى سؤال الكفاية الذي سيأتي لاحقًا. فإذا كان الكتاب هو القانون الكامل للإيمان والسلوك، فليس من السهل وصفه بأنه “القانون” ثم القول إنه يعجز عن تزويد الكنيسة بما تحتاج إليه في الإيمان والطاعة. لكن ويتاكر يؤجل البرهنة الكاملة على ذلك إلى السؤال السادس، ويكتفي هنا بوضع الأساس.
أين يقع الخلاف بالضبط؟
لا يريد ويتاكر أن يوحي بأن الطرفين يختلفان حول كل كتاب. فهو يصرح بأن الاتفاق قائم على الأسفار الرئيسية، وأن الخلاف محصور في كتب وأجزاء معينة.
في العهد القديم يدور الخلاف أولًا حول ستة أسفار كاملة:
- طوبيا.
- يهوديت.
- حكمة سليمان.
- يشوع بن سيراخ، أو الحكمة الكنسية.
- المكابيين الأول.
- المكابيين الثاني.
ثم يمتد الخلاف إلى مواد أُلحقت ببعض الأسفار المقبولة، أهمها:
- باروخ، المرتبط بإرميا في التقليد اللاتيني.
- ترنيمة الفتية الثلاثة.
- قصة سوسنة.
- قصة بل والتنين.
- الإضافات إلى سفر أستير.
أما أسفار العهد الجديد التي عددها مجمع ترنت، فيقول ويتاكر إن كنيسته تقبلها كلها. وهذا التحديد مهم، لأنه يمنع توسيع الخلاف إلى ما لا يشمله. القضية المطروحة في السؤال الأول ليست رفض قانون العهد الجديد، بل قانونية الكتب والأجزاء المذكورة من العهد القديم.
بهذا الضبط يتجنب ويتاكر خطأين متقابلين. الأول تصوير الخلاف كأن كل طرف يحمل كتابًا مختلفًا تمامًا عن الآخر؛ وهذا غير صحيح بحسب عرضه، لأن مساحة الاتفاق كبيرة. والثاني التقليل من شأن الخلاف لأنه محصور في عدد محدود من الكتب. فقلة المواضع المختلف عليها لا تجعل المسألة قليلة الأهمية، لأن السؤال المطروح عن كل موضع هو عينه: هل يتكلم هنا كتاب يملك أن يلزم الإيمان والضمير، أم كتاب نافع لا يحمل الدرجة نفسها من السلطان؟
ومن المهم أيضًا التمييز بين الأسفار الكاملة والإضافات. فقد يوافق الطرفان على قانونية سفر أستير أو دانيال، ثم يختلفان في مواد نُسبت إلى السفر أو أُلحقت به. عندئذ لا يكون السؤال: هل أستير أو دانيال قانوني؟ بل: هل تتمتع هذه المواد بقانونية السفر نفسه؟ وسيعود ويتاكر إلى هذا الفرق حين يفحص كل حالة على حدة.
قرار ترنت وعبارة “بجميع أجزائها”
يعرض ويتاكر قرار مجمع ترنت لأنه يمثل الموقف الذي يناقشه. فقد سرد المجمع قائمة الكتب التي يتلقاها، ثم ألزم بقبولها كاملة “بجميع أجزائها” كما اعتادت الكنيسة قراءتها وكما وُجدت في الفولجاتا اللاتينية. وربط القرار بحرمان من لا يقبل تلك الكتب والأجزاء بوصفها مقدسة وقانونية. وبحسب تفسير اليسوعيين للقرار، لا تقتصر عبارة “بجميع أجزائها” على الأسفار الستة الكاملة، بل تشمل أيضًا الإضافات الملحقة بأستير ودانيال، وكذلك باروخ. وبذلك يصوغ ويتاكر محل الخلاف في سؤال واضح: هل ينبغي قبول هذه الكتب وهذه الأجزاء بوصفها أسفارًا مقدسة قانونية، مساوية في سلطانها لبقية الكتاب؟
جواب خصومه هو نعم، وجوابه هو لا. لكن هذا الفصل لا يقدم بعد البرهان الكامل لأي من الجانبين. وظيفته أن يمنع اضطراب النقاش: يجب أولًا أن نعرف ما الذي يثبته أحد الطرفين وما الذي ينفيه الآخر.
ولا يورد ويتاكر قرار ترنت بوصفه تفصيلًا تاريخيًا بعيدًا عن صلب البحث، بل ليستخرج منه قائمة الكتب والأجزاء المختلف عليها، ويعين بذلك ما يثبته خصومه وما ينفيه هو.
كيف سيدير ويتاكر المناظرة؟
يعلن ويتاكر منهجه في نهاية هذا المدخل. سيبدأ بعرض حجج خصومه والرد عليها، ثم ينتقل إلى إقامة موقفه. وبعبارة أخرى، تتحرك المناظرة في اتجاهين: نقض الرأي المقابل، ثم بناء الرأي الذي يتبناه.
لهذا الترتيب قيمة تحريرية وفكرية. فلا يكفي أن يقرر الكاتب أن بعض الأسفار غير قانونية، كما لا يكفي أن يكدس شهادات تؤيد موقفه. ينبغي أولًا أن يعرض سبب قبول الطرف الآخر لها: هل يعتمد على المجامع، أم الآباء، أم القراءة الكنسية، أم الاقتباس، أم محتوى الكتب نفسها؟ وبعد مناقشة هذه الحجج، يقدم أدلته على الأسفار التي ينبغي قبولها ضمن الكتاب المقدس، والأسفار التي ينبغي استبعادها.
خلاصة الفصل
حدّد هذا الفصل معنى القانون بوصفه قاعدة للإيمان والسلوك، وعيّن الأسفار والأجزاء المختلف عليها، من غير أن يحسم بعد حجج قبولها أو رفضها. وبذلك أصبح موضع الخلاف واضحًا قبل الدخول في أدلته.
وقبل مناقشة هذه الأدلة، يتوقف الفصل التالي عند من رفضوا أسفارًا من الكتاب أو أنكروا سلطانها.
المصدر: William Whitaker, A Disputation on Holy Scripture against the Papists, Especially Bellarmine and Stapleton, trans. and ed. William Fitzgerald (Cambridge: Cambridge University Press, 1849), Question 1, chapters 1–2, pp. 25–30.